اخبار روسيا

«لماذا لم تنجح مبادرات إنهاء الحرب في أوكرانيا؟ تحليل ديميتري بريجع لـ CNBC عربية»

استنادًا إلى التقرير التحليلي المنشور على CNBC عربية بعنوان «لماذا لم تنجح مبادرات إنهاء الحرب في أوكرانيا؟»، يقدّم الباحث السياسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، قراءة معمّقة لطبيعة الصراع، كاشفًا أن الأزمة تتجاوز حدود التفاوض التقليدي، لتتحول إلى معادلة معقدة تتداخل فيها حسابات الأمن الأوروبي، وتوازنات القوى الكبرى، وضغوط السياسة الداخلية لكل من موسكو وكييف.

«لماذا لم تنجح مبادرات إنهاء الحرب في أوكرانيا؟ تحليل ديميتري بريجع لـ CNBC عربية»

في وقتٍ تتكاثر فيه المبادرات الدبلوماسية لإنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا لم تُثمر كل تلك المسارات عن تسوية حقيقية حتى الآن؟

استنادًا إلى التقرير التحليلي المنشور على CNBC عربية  بعنوان «لماذا لم تنجح مبادرات إنهاء الحرب في أوكرانيا؟»، يقدّم الباحث السياسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، قراءة معمّقة لطبيعة الصراع، كاشفًا أن الأزمة تتجاوز حدود التفاوض التقليدي، لتتحول إلى معادلة معقدة تتداخل فيها حسابات الأمن الأوروبي، وتوازنات القوى الكبرى، وضغوط السياسة الداخلية لكل من موسكو وكييف.

يوضح الباحث السياسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، في حديثه إلى CNBC عربية، أن فشل مبادرات إنهاء الحرب في أوكرانيا لا يعود فقط إلى ضعف الدبلوماسية، بل إلى طبيعة الصراع نفسها، التي لا تزال قائمة على منطق كسب الوقت وتحسين شروط التفاوض، بدلاً من السعي الجاد نحو تسوية شاملة.

ويؤكد بريجع أن المبادرات في مثل هذا النوع من الحروب لا تُقاس بجمال صياغاتها أو كثافة بياناتها، بل بمدى قدرتها على تغيير ميزان الحوافز لدى أطراف الصراع، وطرح السؤال الجوهري: هل كلفة الاستمرار في الحرب أعلى من كلفة تقديم التنازلات؟ وحتى الآن، يشير إلى أن الإجابة لدى معظم اللاعبين الرئيسيين لا تزال “لا”.

ويضيف أن وساطات عدة جرت خلال السنوات الماضية، أبرزها من تركيا، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، في إطار مبادرات قادها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، بهدف تخفيف حدة التوتر وإيجاد مسارات للحوار بين موسكو وكييف. وأسفرت هذه الجهود عن نتائج جزئية، مثل صفقات تبادل الأسرى التي شاركت فيها الإمارات والسعودية، إضافة إلى اتفاق تصدير الحبوب بوساطة تركية.

ورغم هذا التقارب النسبي، يؤكد بريجع أن هذه المبادرات لم تؤدِ إلى إنهاء فعلي للصراع، في ظل استمرار تعقيداته السياسية والعسكرية.

ويربط الباحث جذور الأزمة بالسياق التاريخي لما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي، وتأثير ذلك على الجمهوريات التي استقلت خلال عامي 1993 و1994، مثل جورجيا وأرمينيا وأذربيجان ودول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وبعض دول أوروبا الشرقية. ويشير إلى أن هذه الدول تخلصت من الهيمنة السوفيتية المباشرة، لكنها لم تتحرر بالكامل من الإرث السياسي والاستراتيجي الروسي، في ظل رؤية موسكو التي تعتبر أن محيطها الجغرافي يجب أن يبقى ضمن دائرة مصالحها ونفوذها، ما يجعل فك هذا الارتباط أمراً بالغ الصعوبة.

ويحدد بريجع أولى العقبات الرئيسية أمام أي تسوية في وجود فجوة كبيرة في الأهداف بين الطرفين. فروسيا ترى أن أي وقف لإطلاق النار دون ضمانات أمنية وترتيبات سياسية واضحة سيمنح أوكرانيا فرصة لإعادة التسلح وإطالة أمد الحرب، في حين تعتبر كييف أن تجميد الجبهة قبل استعادة أراضيها سيكرّس واقعاً جديداً ويفقدها ورقة تفاوض أساسية.

وتجعل هذه الفجوة كل مبادرة تصطدم بالسؤال المحوري: هل المطلوب وقف مؤقت لإطلاق النار أم تسوية نهائية؟ وغالباً ما يتعامل الطرفان مع المبادرات بوصفها أدوات تكتيكية مرحلية، لا مسارات استراتيجية طويلة الأمد.

أما العامل الثاني، فيتمثل في تعدد الوسطاء وتضارب أجنداتهم، ما يخلق ضجيجاً دبلوماسياً أكثر مما ينتج مساراً واضحاً قابلاً للتنفيذ. فكل وسيط يأتي بحزمة أولويات مختلفة، تتعلق بالغذاء والطاقة وتبادل الأسرى والممرات البحرية وترتيبات مؤقتة، وهي مبادرات تُخفف بعض الأعراض، لكنها لا تعالج جوهر الأزمة وأسباب الحرب.

ويشير بريجع إلى أن بعض الأطراف تستغل الوساطة لتحسين صورتها الدولية أو لتعزيز نفوذها السياسي، بدلاً من الدخول في تسويات صعبة ومكلفة داخلياً.

ثالثاً، يؤكد أن الحرب باتت جزءاً من المعادلة الداخلية لجميع الأطراف، حيث لم تعد القرارات الكبرى تُتخذ فقط في غرف التفاوض، بل تحت ضغط الرأي العام، والنخب الأمنية، وتوازنات السلطة، واستراتيجيات “الانتصار” والكرامة الوطنية.

وعندما تصبح كلفة التراجع سياسياً أعلى من كلفة الاستمرار عسكرياً، كما هو الحال في روسيا حالياً، يصبح السلام خياراً غير شعبي، أو مؤجلاً، أو مشروطاً بتحقيق نصر رمزي على الأقل. ويستشهد بريجع بمواقف داخل القيادة الروسية، ومنها تصريحات رئيس جمهورية الشيشان رمضان قديروف، خلال لقاء جمع الرئيس فلاديمير بوتين بالشيخ محمد بن زايد، حين أكد ضرورة استمرار “العملية العسكرية الخاصة” حتى هزيمة العدو قبل الدخول في أي مفاوضات.

رابعاً، يرى أن الغرب وروسيا ينظران إلى الحرب باعتبارها صراعاً طويل الأمد حول شكل النظام الأمني الأوروبي، وليس مجرد نزاع حدودي. وبالتالي، فإن مبادرات السلام لا تواجه طرفين فقط، بل شبكة معقدة من المصالح؛ فالغرب يراهن على إنهاك روسيا وفرض كلفة استراتيجية عليها، بينما تراهن موسكو على تبدل المزاج السياسي داخل الدول الغربية، وإرهاق مواردها، وتراجع تماسكها مع مرور الوقت، ليصبح الزمن بحد ذاته سلاحاً في المعركة. ويضيف أن روسيا تترقب أيضاً التحولات السياسية داخل أوروبا، ولا سيما نتائج الانتخابات التي قد تؤدي إلى خسارة الأحزاب والقيادات الحالية.

خامساً، يصف بريجع غياب سلة ضمانات موثوقة بأنه “العقدة الأهم”، مشيراً إلى عدم وجود صيغة متفق عليها حتى الآن بشأن الضمانات الأمنية، وآليات المراقبة والتنفيذ، وتعريف الخروقات، والعقوبات المترتبة عليها. ويؤكد أن أي مبادرة تفتقر إلى بنية تنفيذية واضحة تتحول إلى مجرد بيان سياسي، وفي الحروب الكبرى لا توقف البيانات المدفعية ولا تنهي القتال.

سادساً، يلفت إلى أن الاقتصاد والعقوبات والتسليح أسست منظومة قائمة بذاتها، حيث ازدهرت الصناعات الدفاعية، وتدفقت عقود التسليح الضخمة، وتشكلت شبكات تمويل وتحالفات جديدة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن أطرافاً تريد الحرب من أجل الحرب، لكنه يعني أن الصراع خلق توازنات جديدة تجعل العودة إلى الوراء أكثر صعوبة وكلفة من الاستمرار.

وحول شروط نجاح أي مبادرة مستقبلية، يوضح بريجع أنها تتطلب توافر ثلاثة عوامل متزامنة:

  • حدوث إرهاق استراتيجي حقيقي لدى الطرفين يقلب حسابات الكلفة والعائد.
  • وجود وسيط أو مجموعة وسطاء قادرين على تقديم حزمة متكاملة من الحوافز والضمانات، ويرى أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر، يمكن أن تلعب دوراً محورياً واستراتيجياً في هذا السياق، بشرط ألا يقتصر دورها على الدعوة للتهدئة فقط.
  • ضرورة وجود إطار صارم للتنفيذ، يتضمن جدولاً زمنياً واضحاً، وآليات مراقبة دقيقة، وتعريف محدد للالتزامات، وضمانات أمنية قابلة للقياس والتحقق.

ويختم بريجع بالقول:
“الصراع سينتهي في نهاية المطاف، كما تنتهي جميع الحروب، بهزيمة طرف ما أو بتراجع استراتيجي كبير، لكن شكل الحل النهائي سيظل رهناً بتوازنات المرحلة المقبلة.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »