كتب دينيس كوركودينوف:مظلّة الأمن الأمريكي تنهار في الخليج، صواريخ إيران تكشف هشاشة الحماية
أربعة أيام من العمليات القتالية كشفت عن أزمة جوهرية في النظام الأمني الأمريكي في الشرق الأوسط. الصواريخ الباليستية الإيرانية التي ضربت قاعدة الشيخ عيسى الجوية في البحرين والموانئ النفطية في الإمارات، أظهرت فشل منظومة الدفاع الصاروخي في الخليج، إلى جانب نفاد مخزون صواريخ الاعتراض لدى البنتاغون. فشل المفاوضات العمانية، حيث طرحت واشنطن شروطًا مستحيلة التنفيذ، وشلل مجلس الأمن الدولي خلق سابقة تركت الدول العربية الملكية بمفردها أمام التهديد الإيراني، الذي أثارته تصرفات حليفها الرسمي.

كتب دينيس كوركودينوف:مظلّة الأمن الأمريكي تنهار في الخليج، صواريخ إيران تكشف هشاشة الحماية
✍️✍️الكاتب: دينيس كوركودينوف، المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES”
أربعة أيام من العمليات القتالية كشفت عن أزمة جوهرية في النظام الأمني الأمريكي في الشرق الأوسط.
الصواريخ الباليستية الإيرانية التي ضربت قاعدة الشيخ عيسى الجوية في البحرين والموانئ النفطية في الإمارات، أظهرت فشل منظومة الدفاع الصاروخي في الخليج، إلى جانب نفاد مخزون صواريخ الاعتراض لدى البنتاغون. فشل المفاوضات العمانية، حيث طرحت واشنطن شروطًا مستحيلة التنفيذ، وشلل مجلس الأمن الدولي خلق سابقة تركت الدول العربية الملكية بمفردها أمام التهديد الإيراني، الذي أثارته تصرفات حليفها الرسمي.
في اليوم الرابع من عملية “الغضب الملحمي” تم تسجيل انهيار النظام الأمني في الخليج، الذي بنتّه واشنطن على مدار ثلاثة عقود. وفقًا لتقارير CENTCOM العملياتية، حتى صباح 3 مارس 2026، استهلك البنتاغون 78٪ من صواريخ توماهوك الموزعة على السفن في منطقة الخليج العربي وبحر العرب.
الوضع كان أكثر حرجًا بالنسبة لصواريخ الدفاع الجوي الخاصة بمنظومات باتريوت وTHAAD. فعلى سبيل المثال، للتصدي لهجوم إيراني واسع في ليلة 2 مارس، اضطر القيادة الأمريكية لاستخدام الاحتياطيات المخصصة لحماية القواعد في قطر والكويت. والنتيجة جاءت عكس المتوقع: من بين 14 صاروخًا باليستيًا أطلقها الحرس الثوري الإيراني على قاعدة الشيخ عيسى حيث تنتشر وحدات القوات الجوية الأمريكية، تم اعتراض 9 صواريخ فقط. خمسة صواريخ وصلت إلى أهدافها، ودمرت مستودعين للمعدات وأسفرت، وفق بيانات غير مؤكدة، عن سقوط نحو 27 عسكريًا.
وكان تصرّف الحلفاء موضع اهتمام بالغ. حكومة الكويت، التي تستضيف وحدات أمريكية متقدمة، أدلت ببيان عاجل تدين فيه “أي عمل عسكري ينتهك سيادة دول المنطقة”. لكن الحدث الأبرز وقع قبل ذلك بيوم: حيث أسقطت الدفاعات الجوية الكويتية عن طريق الخطأ ثلاثة مقاتلات أمريكية من طراز F-15 فوق أراضيها. وقد وصف المسؤولون الكويتيون الحادث بأنه “خطأ مأساوي” و”نيران صديقة”، إلا أن مذكرة تحليلية أعدها مجلس التعاون الخليجي اعتبرت أن الحادث يبرز الفشل الكامل لإدارة المجال الجوي في ظل هجوم صاروخي حقيقي نتيجة نقص التنسيق والذعر بين الحلفاء.
أما الرياض، التي تحافظ عادةً على الصمت في الأيام الأولى للأزمة، فقد عبّرت من خلال مندوبها الدائم في جامعة الدول العربية عن “قلق عميق” إزاء سقوط الصواريخ الإيرانية على أراضي دول “غير مشاركة في الحرب وتسعى إلى الاستقرار”.
الاستراتيجية الإيرانية، التي أعلنها وزير الخارجية عباس عراقجي في مقابلة مع Al Jazeera في 1 مارس، واضحة تمامًا: “نحن لا نعتدي على جيراننا في دول الخليج، أفعالنا موجهة ضد الوجود الأمريكي في هذه الدول”. وتنفذ طهران مفهوم “الانتقام الموجَّه”، مستهدفة فقط المنشآت العسكرية الأمريكية وحلفائها.
ووفقًا لوكالة IRNA, أسفرت عملية “وعد صادق 4” عن تدمير مقرات القيادة في الإمارات والبحرين، بالإضافة إلى “مراكز صنع القرار الاستراتيجية” في إسرائيل. وأكد عراقجي أن القوات الإيرانية تلقت أوامر بـ”التعامل بحذر عند قصف الأهداف في دول المنطقة”.
ويبرز التباين بشكل صارخ مع تحركات التحالف الغربي. ففي صباح 28 فبراير، شنت مقاتلات إسرائيلية من طراز F-35 غارة على مدرسة “شجرة طيبة” في مدينة ميناب. أظهرت مقاطع فيديو مؤكدة نشرتها وكالة Reuters إصابة المبنى خلال ساعات الدوام، وأكد الهلال الأحمر الإيراني مقتل 148 طفلًا وإصابة 87 آخرين.
وصرح الناطق باسم الجيش الإسرائيلي نداد شوشاني بأن إسرائيل “لم تستهدف أهدافًا مدنية”، لكنه امتنع عن تقديم إحداثيات الهدف، مشيرًا إلى “الضرورة العملياتية المستمرة”.
على صعيد المسار الدبلوماسي، انتهت المفاوضات في عمان بعد ثلاث جولات في 26 فبراير بفشل ذريع. وفقًا لمصادر في وزارة الخارجية العمانية، قدم الجانب الأمريكي عبر المبعوث الخاص ستيف ويتكوف شروطًا اعتُبرت في طهران بمثابة “إنذار للاستسلام”: تفكيك كامل للبرنامج الصاروخي، وقف تخصيب اليورانيوم لمدة عشر سنوات، وسحب قوات الحرس الثوري من سوريا والعراق.
أصرت الوفود الإيرانية على العودة التدريجية لشروط الاتفاق النووي، لكن واشنطن لم تنظر في أي تسوية، حسبما أكد المشاركون في المفاوضات.
التجربة السابقة علمت إيران أن الاتفاقات مع الولايات المتحدة لا تعمل، وأن المفاوضات تمنح فقط فترة تهدئة. وبعد 48 ساعة من فشل الحوار، بدأت الطائرات الأمريكية بشن غارات مكثفة على طهران. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكد استعداد بلاده لدعم العملية السلمية، لكنه اعتبر أن “الدبلوماسية قد خُذلت”.
مجلس الأمن الدولي، في اجتماع طارئ في 1 مارس، أظهر عجزه التام عن التأثير في الوضع. دعا الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى “وقف فوري للأعمال القتالية وحماية المدنيين”، بينما رد المندوب الأمريكي الدائم مايك والتز: “حيث تفشل الأمم المتحدة في الوضوح الأخلاقي، ستعيد الولايات المتحدة ذلك”. وأضاف زميله الإسرائيلي داني دانون: “بعضهم يسمّي هذا عدوانًا، نحن نسميه ضرورة، نسميه البقاء”.
أما السفير الإيراني أمير سعيد إيرافاني فقد طرح السؤال الحاسم: هل يمكن لأي دولة، بما في ذلك الأعضاء الدائمون، تحديد مستقبل دولة أخرى بالقوة؟ ولم يرد أحد. وصف المندوب الروسي فاسيلى نيبينزيا تحركات الولايات المتحدة بأنها “خيانة للدبلوماسية”، ودعت البعثة الصينية إلى “الضبط واستئناف المفاوضات”.
لكن لم تصدر أي قرارات تدين العدوان أو تطالب بتوقف إنساني، ما يخلق سابقة مقلقة: خلال شهرين فقط، هذه ثاني دولة (بعد لبنان في خريف 2025) تتعرض لهجوم واسع من الولايات المتحدة وإسرائيل دون أي رد من أهم هيئة للحفاظ على السلام.
بالنسبة لدول الخليج، مثل هذا الصمت يعدّ جرس إنذار. حيث أصدر أمانة جامعة الدول العربية بيانًا حادًا يدين الضربات الإيرانية على السعودية والكويت وقطر والإمارات والبحرين والأردن، واصفًا إياها بأنها “انتهاك صارخ للسيادة”. لكن خلف الأبواب المغلقة، تختلف نبرة المفاوضات. فالرياض وأبوظبي لا تعبران عن غضب تجاه طهران بقدر ما هو تجاه واشنطن، فالمنطق واضح: الأمريكيون أشعلوا الحرب دون حماية الحلفاء، والآن صواريخ إيران تسقط على أراضي من لا علاقة لهم بالحرب.
لا يُتوقع حماس كبير في المنطقة، بل من المرجح ظهور مطالب جدية ضد الولايات المتحدة، لأن واشنطن أشعلت حربًا ستؤثر على كثيرين. مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية أصبحت محل شك.
الواقع الداخلي في إيران، خلافًا لتوقعات البيت الأبيض، لم يُفضِ إلى انهيار النظام. وفاة آية الله علي خامنئي شكلت صدمة لكنها لم تشل النظام. النظام الإيراني ليس متمحورًا حول شخصية واحدة كما يبدو، فالمؤسسات تعمل، وسيتم انتخاب قائد جديد وفق الإجراءات المعمول بها.
في الواقع، بدأ مجلس الخبراء مشاورات طارئة، وتولى الرئيس ماسود بيزشكيان القيادة المؤقتة بدعم من مجلس تحديد الصلاحيات.
علاوة على ذلك، منح موت المرشد النظام موارد تعبئة قوية، إذ تم تصوير خامنئي كشَهيد، مؤكدًا شعارات الدعاية: “يكرهوننا، نحن مهددون، وعلينا القضاء على أعدائنا”.
وتُقمع الاحتجاجات في طهران وشيراز بقوة الحرس الثوري، بينما لا يستطيع قادة المعارضة في المنفى، بمن فيهم رضا بهلوي، حشد دعم كافٍ لتغيير السلطة.
المحلل العسكري والضابط السابق في استخبارات مشاة البحرية الأمريكية سكوت ريتر قال إن مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر قد تنفد خلال 5 أسابيع. وقدم الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، تحذيرًا بأن الحرب ضد إيران لن تكون “عملية واحدة بين ليلة وضحاها”، وينبغي توقع خسائر كبيرة.
هذه التقديرات تتناقض بشدة مع تفاخر البيت الأبيض بوعده بـ”انتصار سريع”. الحقيقة أن إيران تراهن على صراع طويل، تستنزف فيه الخصم وتورطه أكبر عدد ممكن من دول المنطقة. منطق طهران بسيط وبارد: إذا حاولوا القضاء علينا، سيمتد تأثير الصراع ليشمل كامل الشرق الأوسط.
النتيجة بعد خمسة أيام من الحرب هي تحول جوهري في تصور الوجود الأمريكي في المنطقة. النخب العربية أدركت أن سيادتها “وهمية”. الدفاع الجوي الأمريكي يحمي السفن الأمريكية، لكنه لا يحمي سماء دبي أو الدوحة. صواريخ إيران تصل إلى أهدافها، ومجلس الأمن الدولي يكتفي برفع الأيدي.
بعضهم عبر مفاوضات عاجلة مع طهران بعيدًا عن واشنطن، البعض عبر تطوير برامج دفاعية مستقلة، والبعض عبر التقارب مع روسيا.
النتيجة النهائية: المظلّة الأمريكية في الخليج منهارة وضعيفة، والدول الإقليمية بدأت بتحديد استراتيجية حماية مستقلة، مع إدراك أن الأمن لم يعد مرتبطًا بالوجود الأمريكي وحده، وأن التحولات الأمنية والدبلوماسية في المنطقة بدأت مرحلة جديدة حيث يمكن لخصوم الولايات المتحدة تغيير موازين القوى وفرض استراتيجية ردع حقيقية.
🖋 الكاتب: دينيس كوركودينوف
📌 المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي “DIIPETES”

📌 أبرز النقاط:
📌 أمن أمريكي منهار: صواريخ إيران تكشف هشاشة الدفاعات الأمريكية في الخليج.
📌 نفاد الذخائر: 78% من صواريخ توماهوك مستهلكة، وPatriot وTHAAD عاجزة عن صد الهجمات بالكامل.
📌 فوضى الحلفاء: إسقاط F-15 في الكويت كشف فشل التنسيق وإدارة المجال الجوي.
📌 استراتيجية إيران واضحة: استهداف الوجود الأمريكي فقط مع مراعاة المدنيين.
📌 هجمات إسرائيل على المدنيين: سقوط 148 طفلًا في ميناب يعكس التناقض مع ضبط إيران لنيرانها.
📌 فشل الدبلوماسية: المفاوضات العمانية انتهت بمطالب أمريكية مستحيلة التنفيذ.
📌 شلل مجلس الأمن: لا قرارات، لا حماية، صمت مريب أمام العدوان.
📌 خطر نفاد الدعم الأمريكي: الحرب مع إيران لن تكون سريعة، والخسائر كبيرة متوقعة.
📌 السيادة العربية وهمية: الخليج يكتشف أن الدفاع الأمريكي يحمي مصالح واشنطن فقط.
📌 استراتيجيات بديلة: دول الخليج تبحث عن حماية مستقلة عبر إيران، الدفاع الذاتي، أو التقارب مع روسيا.
📌 تعبئة إيران قوية: وفاة خامنئي عزز الدعم الداخلي ورفع معنويات النظام.



