اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب دينيس كوركودينوف:فتوى تغيّر قواعد اللعبة: لماذا أصبحت المفاوضات بين واشنطن وطهران خارج الحسابات؟

في 28 شباط/فبراير 2026، أصدر آية الله ناصر مكارم الشيرازي فتوى اعتبر فيها الضربة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية "عدوانًا صليبيًا"، وأعلن الجهاد استنادًا إلى الآية 39 من سورة "الحج" في القرآن.

فتوى تغيّر قواعد اللعبة: لماذا أصبحت المفاوضات بين واشنطن وطهران خارج الحسابات؟

 

✍️✍️كتب : دينيس كوركودينوف، المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي “DIIPETES”

 

في 28 شباط/فبراير 2026، أصدر آية الله ناصر مكارم الشيرازي فتوى اعتبر فيها الضربة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية “عدوانًا صليبيًا”، وأعلن الجهاد استنادًا إلى الآية 39 من سورة “الحج” في القرآن.
وتحمل الوثيقة صفة التكليف الديني الملزم لجميع أتباع هذا الاتجاه الإسلامي، ولا يمكن للقيادة السياسية في البلاد إلغاؤها. وأي محاولة لبدء مسار تفاوضي بعد صدور هذا الحكم تُعدّ تعارضًا مباشرًا مع أحكام الشريعة.

 

في اليوم ذاته، نُشر على الموقع الرسمي لمكتب آية الله ناصر مكارم الشيرازي نص الفتوى التي غيّرت جذريًا طبيعة الصراع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتحالف الغربي.
وتضمنت الوثيقة إشارة صريحة إلى الآية 39 من سورة “الحج”، وأعلنت الجهاد ضد الولايات المتحدة وإسرائيل على خلفية مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي نتيجة ضربة استهدفت مقر إقامته في طهران.
وبحسب مضمون الفتوى، يصبح الحل الدبلوماسي بين الطرفين مستحيلًا من حيث المبدأ.

 

في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تتعايش منظومتان قانونيتان متوازيتان: التشريع المدني الذي يقرّه مجلس الشورى الإسلامي، والأحكام الدينية الصادرة عن كبار المجتهدين ذوي المرجعية.
ووفقًا للعقيدة المثبتة في مجموعة الفتاوى “جامع المسائل”، لا يجوز لمجتهد ذي مكانة مرجعية أن يُلغي فتوى مجتهد آخر مماثل له في المرتبة، إذ إن كلًّا منهما يُعدّ مختصًا في الفقه الإسلامي ويصدر أحكامه استنادًا إلى اجتهاده الخاص.

 

تكتسب هذه القاعدة أهمية حاسمة في تحليل الوضع الراهن: فالفتوى الخاصة بـ الجهاد، الصادرة عن مرجع تقليد ذي مكانة عليا، لا يمكن إلغاؤها لا من قبل القيادة السياسية ولا من قبل شخصية دينية أخرى، حتى لو تولّت منصب المرشد الأعلى الجديد.

 

إن صدور الفتوى عن مكارم الشيرازي تحديدًا، وليس عن القائم بأعمال القيادة أو عن الرئيس بزشكيان، يغيّر طبيعة الوثيقة جذريًا.
فبذلك تتحول من مجرد بيان سياسي إلى فعل ديني-قانوني كامل، يضع قاعدة سلوكية جديدة لملايين الشيعة حول العالم.

 

وتجدر الإشارة إلى أن الآية 39 من سورة “الحج”، المشار إليها في الفتوى، تُعدّ أول إذن إلهي بالقتال أُعطي للنبي محمد وأتباعه في المدينة. فقبل نزول هذه الآية، كان يُطلب من المسلمين تحمّل الاضطهاد والامتناع عن الرد المسلح، وكان الصحابة يتلقّون توجيهات بالصبر لعدم صدور الإذن الإلهي بعد.

 

وبذلك، فإن الجهاد المُعلن استنادًا إلى هذه الآية يُصنَّف باعتباره دفاعًا ليس فقط عن الجماعة المسلمة، بل عن إمكانية التوحيد والعبادة ذاتها، ما ينقل الصراع من الإطار السياسي إلى بُعدٍ عقائدي ذي طابع وجودي.

 

كما أن الجهاد الذي أعلنته فتوى مكارم الشيرازي يُدرج ضمن فئة “جهاد الدفاع” (الجهاد الدفاعي)، وهو فرض عين على كل مسلم قادر على حمل السلاح داخل الأراضي التي تتعرض لعدوان. وعلى خلاف “جهاد الطلب” (الجهاد الهجومي)، الذي يُعدّ فرض كفاية ويمكن تعليقه بقرار من الإمام، فإن الجهاد الدفاعي لا يمكن إيقافه حتى زوال سبب العدوان.

 

في النظام الدستوري الإيراني، يوجد آلية تُعرف باسم “الحكم الحكومي”، يمكن للمرشد الأعلى إصدارها استنادًا إلى مبدأ “المصلحة”، ولها صلاحية تعليق حتى بعض الأحكام الشرعية الأولية مؤقتًا. وقد شدد آية الله روح الله الخميني على أن الحكومة القائمة على المصلحة قد تمنع مؤقتًا أداء فريضة الحج إذا اقتضت مصالح الأمة الإسلامية ذلك. غير أن الحالة الراهنة تختلف جوهريًا: فإصدار “الحكم الحكومي” يتطلب وجود مرشد أعلى يتمتع بالصلاحيات الدستورية، بينما المنصب حاليًا شاغر، والمجلس المؤقت القائم بالإدارة لا يمتلك الصلاحيات الدينية لإصدار حكم يُعطل فتوى مرجع تقليد.

 

وعلاوة على ذلك، حتى لو جرى انتخاب مرشد أعلى جديد اليوم، فإن فتوى مكارم الشيرازي نفسها لا تتيح له إلغاء فتوى مجتهد آخر.

 

ويُذكر أن في النظام الإيراني هيئة تُعرف باسم مجلس تشخيص مصلحة النظام، أنشأها آية الله الخميني عام 1988 لحل الخلافات بين مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور. وتملك هذه الهيئة صلاحية اتخاذ قرارات استنادًا إلى مبدأ المصلحة حتى لو تعارضت مع بعض الأحكام الشرعية الأولية.
إلا أن صلاحياتها مشروطة بوجود نزاع تشريعي فعلي، ولا تمتد إلى إلغاء التكاليف الدينية الفردية. كما أن قراراتها ذات طبيعة مؤقتة، ولا تلغي الحكم الشرعي ذاته، بل تعلّق تطبيقه في ظروف محددة. وفي حالة فتوى الجهاد الموجهة مباشرة إلى المؤمنين، لا ينطبق هذا المسار الإجرائي.

 

ومن اللافت أن نص الفتوى استخدم مصطلح “الصليبيين”، في إحالة مباشرة إلى السردية التاريخية للحروب الصليبية. وفي الخطاب الإسلامي المعاصر، يُستعمل هذا المصطلح غالبًا للإشارة إلى الوجود العسكري الغربي، ولا سيما الأمريكي، في العالم الإسلامي.

 

وباستخدام هذا المصطلح في سياق الآية 39 من سورة “الحج”، لا يعلن الشيرازي الحرب على الولايات المتحدة كدولة فحسب، بل يدرج الصراع الحالي ضمن سياق تاريخي ممتد بين العالم الإسلامي والغرب. وهذه المقاربة التاريخية تجعل النزاع شبه مستعصٍ على الحل، إذ تتطلب تغييرًا في بنية التصور الحضاري للغرب باعتباره معاديًا للإسلام في جوهره، لا مجرد تسوية سياسية أو عسكرية.

 

أما إدارة الرئيس ترامب، التي أطلقت العملية العسكرية، فلم تنشر حتى الآن أي تحليل للبُعد الديني للنزاع. وقد اقتصرت تصريحات المسؤولين الأمريكيين على خطاب عسكري، مؤكدين أن “الولايات المتحدة لا تحارب الإسلام”.
غير أن المسألة في الفقه الإسلامي لا تتعلق بتوصيف الولايات المتحدة لأفعالها، بل بكيفية تصنيف هذه الأفعال وفق مصادر الشريعة.

 

والتصنيف الذي قدّمه آية الله الشيرازي لا يترك مجالًا لتأويل مزدوج: إنها حرب مُجازة شرعًا، وخوضها واجب ديني. وقد أكد المجلس المؤقت الذي يدير إيران في بيان صدر في 2 آذار/مارس أن “دم الشهيد لن يُهدر”، وأن التفاوض مع المعتدي مستحيل قبل تحقيق القصاص.

السبيل الوحيد نظريًا لتعطيل مفعول الفتوى يتمثل في تغيّر الظروف التي تُعدّ سببًا للحرب، كأن تعترف الولايات المتحدة رسميًا بمسؤوليتها عن مقتل خامنئي وتدفع تعويضًا وفق الأحكام الشرعية. غير أن استمرار العمليات العسكرية يجعل هذا السيناريو افتراضيًا بالكامل.

وعليه، فإن أي حديث عن مفاوضات سلمية في المدى المنظور يبقى مجرد خطاب سياسي لا يعكس الواقع القائم، الذي يتحدد اليوم لا في قاعات الدبلوماسية، بل في الحوزات الدينية في قم، حيث تكتسب فتوى آية الله مكانتها كتكليف شرعي ملزم.

 

دينيس كوركودينوف

المدير العام للمركز الدولي للتحليل

والتنبؤ السياسي “DIIPETES”

 

📎أبرز نقاط المقال: 

 

 

 

📌 28 فبراير 2026: فتوى مكارم الشيرازي تعلن الجهاد ضد أمريكا وإسرائيل بعد مقتل خامنئي، وتعتبر الضربة “عدوانًا صليبيًا”.

📌 الفتوى لا يمكن لأي قيادة سياسية أو مرشد جديد إلغاؤها أو تعليقها.

📌 الجهاد دفاعي (فرض عين) على كل مسلم قادر، ولا ينتهي حتى زوال العدوان.

📌 الصراع مرتبط تاريخيًا بمواجهة الغرب للإسلام، وليس مجرد نزاع سياسي.

📌 المجلس المؤقت في إيران يؤكد: “دم الشهيد لن يُهدر” والتفاوض مستحيل قبل القصاص.

📌 أي حل دبلوماسي محتمل يتطلب اعتراف أمريكا بالمسؤولية وتعويض وفق الشريعة، وهو أمر غير وارد حاليًا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »