اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب عدنان علامه:بيان تحذيري إلى الدول العربية “إسرائيل الكبرى” بين الإعلان السياسي والتكريس الدبلوماسي

أثارت تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى تل أبيب مايك هاكابي أمس؛ موجة واسعة من الاستنكار، عقب إعلانه أن "إسرائيل تملك حقاً دينياً بالسيطرة على معظم أراضي الشرق الأوسط"، بل واعتباره أنه "سيكون من الجيد لو أنهم استولوا على كل شيء".

بيان تحذيري إلى الدول العربية

“إسرائيل الكبرى” بين الإعلان السياسي والتكريس الدبلوماسي

✍️✍️عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين 

أثارت تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى تل أبيب مايك هاكابي أمس؛ موجة واسعة من الاستنكار، عقب إعلانه أن “إسرائيل تملك حقاً دينياً بالسيطرة على معظم أراضي الشرق الأوسط”، بل واعتباره أنه “سيكون من الجيد لو أنهم استولوا على كل شيء”.

غير أن خطورة هذا التصريح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه يُشكّل ترجمة دبلوماسية متأخرة، لعقيدة توسعية سبق أن أعلنها صراحة، رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بتاريخ 13 آب/أغسطس 2025، حيث أكد أنه في «مهمة تاريخية وروحية» متمسكاً «جداً» برؤية «إسرائيل الكبرى» بوصفها مهمة عابرة للأجيال.

 

إن تلاقي الخطاب التوراتي مع الموقف السياسي الرسمي، وتبنّيه اليوم على مستوى التمثيل الدبلوماسي الأميركي، يؤكد انتقال مفهوم “إسرائيل الكبرى” من حيّز الأدبيات الأيديولوجية إلى مستوى الترويج السياسي الدولي، في سياق عمل منهجي طويل الأمد يهدف إلى ترسيخ هذه العقيدة في الوعي الإسرائيلي منذ الطفولة، حيث نُقشت خريطة “إسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرات على قطعة نقدية متداولة من فئة 10 أغورا، بما يعكس سعياً واضحاً لتطبيع هذا المفهوم في العقل الناشئ باعتباره حدوداً طبيعية مزعومة لكيان الاحتلال.

 

وانطلاقاً من خطورة هذا التحول النوعي في الخطاب، نضع بين أيدي الدول العربية ولبنان الورقة البحثية التالية، التي أُنجزتها بتاريخ 20 آب/أغسطس 2025، لما تتضمنه من تفكيك ديني وتاريخي وقانوني لمزاعم “الحق الإلهي” المزعوم، بما يتيح الاستناد إليها في المحافل الدولية لمواجهة المشروع التوسعي الذي لم يعد يُطرح همساً في مراكز الفكر، بل يُعلن جهاراً على لسان قادة الإحتلال وحلفائهم.

 

ورقة بحثية: تفنيد الادعاء التوراتي حول “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات”

عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

 

المقدمة

يتكرر في الخطاب الصهيوني الحديث الادعاء بأن “أرض إسرائيل” تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، مستندًا إلى نصوص توراتية محرّفة وقراءات إيديولوجية، لتبرير مشروع توسعي استعماري. غير أن مراجعة النص القرآني وتفاسيره، إضافةً إلى الدراسات النقدية الغربية، تُظهر أن هذا الادعاء لا أساس له لا دينيًا ولا تاريخيًا ولا قانونيًا.

 

أولًا: النص القرآني وسياق “الأرض المقدسة”

ورد في سورة المائدة (24–26) أن بني إسرائيل رفضوا دخول الأرض المقدسة، فقالوا لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون}، فجاء الرد الإلهي: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض}.

هذا النص القرآني يؤكد أن الأرض لم تُمنح لهم منحة أبدية، بل كان دخولها مشروطًا بالإيمان والطاعة. فبعصيانهم، حُرِموا منها ودخلوا في التيه، مما يسقط أي حق مطلق بادعاء وراثة الأرض.

 

ثانيًا: تفسير الميزان ورؤية الشيعة الإمامية

العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان يبين أن:

• المقصود بـ “الأرض المقدسة” هو أرض فلسطين وما حولها، لا الامتداد الجغرافي من النيل إلى الفرات.
• ووراثة الأرض لا ترتبط بعرق أو نسب، بل بصفة “الصلاح”، استنادًا إلى قوله تعالى: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء:105).

وبالتالي، سقط عن بني إسرائيل الاستحقاق بعد رفضهم الدخول وعصيانهم أوامر الله.

 

ثالثًا: الروايات الشيعية عن الأرض الموعودة

روايات الأئمة (ع) تؤكد أن استحقاق وراثة الأرض مشروط بالصلاح والالتزام بالحق، وأن الله أبدل بني إسرائيل بأمم أخرى حين فسقوا.

وهذا ينسجم مع النص القرآني الذي يربط الوعد الإلهي بالطاعة. وعليه، لا مجال للقول بوعد أبدي يمنح اليهود حقًا إلهيًا مطلقًا في أرض تمتد من النيل إلى الفرات.

 

رابعًا: نقد الادعاء التوراتي سياسيًا

التوراة المحرّفة استُعملت كمرجعية إيديولوجية لإنتاج مقولة “إسرائيل الكبرى”. روجيه غارودي، في كتابه الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، وصف الوعد من النيل إلى الفرات بأنه “أسطورة سياسية” تُستعمل كغطاء للتوسع الإستعماري.

والصهيونية الحديثة تبنت هذه القراءة الأسطورية لتبرير الاحتلال والتهجير والإبادة.

 

خامسًا: البعد القانوني الدولي

القانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة، لا تعترف لإسرائيل بأي حدود خارج فلسطين المحتلة. التوسع إلى أراضٍ خارج هذه الحدود يُعد عدوانًا وفق ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2). واستخدام النصوص الدينية لتبرير الاحتلال لا يغيّر من صفة العدوان، بل يرسّخ الطابع الاستعماري لمشروع “إسرائيل الكبرى”.

 

سادسًا: في مزاعم التعويضات عن أملاك تاريخية

يُثار أحياناً في الخطاب السياسي والإعلامي ادعاء بحقوق تعويض عن أملاك تاريخية تعود إلى جماعات يهودية في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية خلال صدر الإسلام. وتجدر الإشارة إلى أن معالجة أوضاع تلك الأملاك جرت ضمن سياقات تاريخية وقانونية خاصة بعصرها، وفق الأحكام الناظمة آنذاك لما اعتُبر في الفقه الإسلامي من فيءٍ أو غنائم أو تسويات ترتبط بوقائع النزاع والخروج من بعض المناطق. وعليه، فإن استدعاء تلك الوقائع التاريخية لإقامة مطالبات سياسية أو مالية معاصرة يتجاهل اختلاف الأطر القانونية بين الماضي والحاضر، ولا يُنشئ بذاته أساساً قانونياً مُلزِماً في القانون الدولي الحديث.

 

الخاتمة

الإدعاء بأن “إسرائيل من النيل إلى الفرات” لا أصل له في القرآن الكريم ولا في تفسيراته، بل هو إسقاط توراتي محرّف على واقع سياسي استعماري. تاريخيًا، فقد بنو إسرائيل الاستحقاق بعد التيه، وقرآنيًا وراثة الأرض للصالحين لا للفسَّاق، وسياسيًا الوعد مجرد أسطورة وظفتها الصهيونية المعاصرة.

وبالتالي، فإن مشروع “إسرائيل الكبرى” ليس قدرًا دينيًا، بل مخطط توسعي يجب مواجهته بالشرعية القرآنية والقانون الدولي معًا.

 

توصيات ختامية موجّهة إلى وزارات الخارجية العربية

📌 إعتماد هذه الورقة البحثية كمرجعية تحليلية داعمة في إعداد المذكرات القانونية والبيانات الرسمية المرفوعة إلى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان.

📌 توظيف مضامينها في الخطاب الدبلوماسي لتفنيد مزاعم “الحق الديني” بالتوسع، وإبراز تعارضها مع ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.

📌 تكليف البعثات الدائمة بإعداد أوراق موقف تستند إلى التفكيك الديني والتاريخي الوارد أعلاه، لقطع الطريق على شرعنة المشروع التوسعي تحت غطاء لاهوتي.

📌 توسيع نطاق البحث القانوني المقارن حول مخاطر استخدام النصوص الدينية لتبرير الضمّ، وتعميم نتائجه على البرلمانات والهيئات الإقليمية.

📌إدراج هذه المقاربة ضمن ملفات الترافع الاستراتيجي أمام المحاكم والهيئات الدولية المختصة، بما يعزّز بناء سردية قانونية عربية مضادة لمشروع “إسرائيل الكبرى”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »