متفرقات
أخر الأخبار
الخوف: مدينةٌ تبني أسوارها من صدور ساكنيها
الخوف ليس وحشًا يطرق الباب؛ إنّه الباب حين نتوهّم أنّ العالم كلّه ذئاب. ليس صرخةً في ليلٍ بعيد، بل همسٌ يقيم في الرأس، يرتّب الأثاث، ويُقنع القلب أنّ السجن بيتٌ آمن. أكبر خديعةٍ في التاريخ: أن يُقنعنا الخوف أنّ السجن بيت.

الخوف: مدينةٌ تبني أسوارها من صدور ساكنيها
✍️🌍 : فاطمة يوسف بصل
الخوف ليس وحشًا يطرق الباب؛ إنّه الباب حين نتوهّم أنّ العالم كلّه ذئاب. ليس صرخةً في ليلٍ بعيد، بل همسٌ يقيم في الرأس، يرتّب الأثاث، ويُقنع القلب أنّ السجن بيتٌ آمن. أكبر خديعةٍ في التاريخ: أن يُقنعنا الخوف أنّ السجن بيت.
في البدء، كان الخوف ظلًّا صغيرًا يتبع الإنسان كي لا يسقط في الحفرة. لكنّ الظلّ حين كبر… علّقنا عليه ملابسنا، وأطفأنا النور كي لا نراه. وهكذا، تحوّل من حارسٍ عابر إلى حاكمٍ مقيم. الخوف ظلٌّ يطول لأنّنا ننحني.
في كلّ صدرٍ سجن صغير، وفي كلّ سجن سجينٌ تعلّم كيف يصفّق لقيوده. نُربّي مخاوفنا كما تُربّى القطط في البيوت: نطعمها من أعذارنا، ونسقيها من خيباتنا، حتى تكبر وتنام في سرير أحلامنا. أخطر السجون هي التي نبني جدرانها من صدورنا.
طالبٌ يضع شهادته على الرفّ العالي لأنّ الخوف أقنعه أنّ السقوط من الرفّ موجع، وأنّ الأرض ليست مكانًا للأحلام. موهبةٌ تُدفن حيّة لأنّ الجرأة بلا كفيل اجتماعي. لا أحد يقصّ أجنحتنا دون إذننا الأوّل: إذن الخوف.
المجتمع لا يقتل المختلف، بل يضع له مرآة مشروخة حتى يرى نفسه قبيحًا. نخاف نظرة العيون أكثر من ظلم الوقائع، فنُعدّل أصواتنا، ونقصّ أطراف أفكارنا، كي لا تجرح الذوق العام. الخوف مصفّف وجوهٍ للقطيع… يقصّ أجنحة الطيور.
فتاةٌ تخيط فمها بخيط العيب، وشابٌّ يعلّق أحلامه على مشجب “شو بيحكوا الناس”. الخوف هنا مصفّف وجوه، يجمّل القطيع… ويقصّ أجنحة الطيور.
حين تفشل السلطة في إقناع العقول، تنجح في إخافة القلوب. تصنع من الغدّ شبحًا، ومن السؤال جريمة، ومن الصمت فضيلة. وفي مواسم الخوف، يتحوّل المواطن إلى ظلّ يمشي خلف ظلٍّ أكبر منه. حين نخاف، نسمّي القيد أمانًا… ونشكر السجّان.
شعبٌ يبتلع الفقر لأنّ الجوع أقلّ رعبًا من الفوضى كما صُوّرت له، ويصافح القيد لأنه لامع… ولأنّ اللمعان يخدع العين المتعبة. الخوف لا يُطلق الرصاص، لكنّه يكتب أسماء الضحايا.
نُخطئ حين نُسامح الظلم باسم الحكمة، ونُخادع ضمائرنا حين نسمّي الصمت تعقّلًا. الخوف يعلّمنا أن نربّت على ظهر الخطأ كي لا يعضّنا، فنصير نحن المروّضين… وهو الوحش المُدلَّل. الصمت تحت الظلم ليس حكمة… إنّه خوف يرتدي قناع العقل.
شاهد يرى الحقيقة تمرّ كسيّارة إسعاف، فيسدّ أذنيه كي لا يسمع صفّارتها. موظّف يوقّع على ورقة كاذبة لأنّ الحقيقة مكلفة، والكذب مُخفّض السعر. نخاف من الحقيقة لأنّها مكلفة، فنشتري الكذب بسعرٍ مخفّض.
حين تُبدّل جلدك لتناسب الطقس الاجتماعي. حين تُقصّر قامتك كي لا تُرى. حين تضع قلبك في الجيب وتتحدّث بلسانٍ مُستعار. الخوف، حين يستوطنك، يعلّمك أن تعتذر عن وجودك. حين نخاف، نوقّع على تنازلاتنا بأسمائنا الكاملة.
الخوف لا يقتلنا دفعةً واحدة؛ إنّه يعلّمنا كيف نموت بالتقسيط. نخاف… فنؤجّل الحقيقة. نخاف… فنساوم على الكرامة. نخاف… فنبيع أعمارنا بسعر الأمان المؤقّت. الخوف لا يقتلنا فجأة… يعلّمنا كيف نموت بالتقسيط.
الخوف لا يُطلق الرصاص، لكنه يكتب أسماء الضحايا على القوائم. لا يهدم البيوت بيده، بل يُقنع سكّانها أن يناموا تحت السقف المتصدّع ويسمّوا التشقّقات “طمأنينة”. وفي اللحظة التي نُدرك فيها حجم الخديعة، نكتشف أنّ السجّان لم يكن خارج الباب، بل كان يسكن فينا، يرتدي وجوهنا، ويوقّع باسمنا على كلّ تنازل.
إن أردتَ نجاةً حقيقيّة، لا تبحث عن باب الخروج… اكسر الجدار الذي اعتدتَ الاتّكاء عليه. فالسجون التي تُبنى من الخوف لا تُفتح مفاتيحها، بل تُهدَم.



