من يصنع العنف؟ سؤالٌ مؤجَّل للمجتمع
انظر إلى الشارع، حيث تُهان امرأة، ويُضرب شاب، ويقف الناس صامتين… لا لأنهم يوافقون، بل لأنهم اعتادوا. الاعتياد على المألوف، هو أول أشكال العنف. الاعتياد على الصمت، هو أول أداة للعنف المستمر.

من يصنع العنف؟ سؤالٌ مؤجَّل للمجتمع
✍️✍️✍️🌹كتبت : فاطمة يوسف بصل
العنف ليس حادثةً عابرة، ولا صرخةً مفاجئةً في منتصف الليل. العنف هو الصوت الذي لم نسمعه، والهمس الذي تجاهلناه، والطفل الذي منعنا عن سماعه، والشارع الذي عبرناه دون أن نلتفت، والمدرسة التي علمتنا الخضوع بدل الفهم.
من صنع هذا؟ وكيف أصبح ممكناً؟
الفلسفة لا تبحث عن الجناة، بل عن المناخ، عن الجو، عن الصمت الطويل الذي يربّي العنف. العنف يبدأ قبل القبضة، قبل الصراخ، قبل الدم، في لحظةٍ صغيرة يُقال فيها للطفل:
“اصمت، لا تبكِ، كن قويًا، لا تُظهر ضعفك.”
هناك، يُعلّم الصمت، وتُبرّر القسوة، وينمو في صمتٍ، ويصبح منطقًا مألوفًا، حتى يصبح الفعل الأخير، الضربة، مجرد خروجٍ لم يكتمل منطقياً إلا بعد عقود من التدريب الصامت.
انظر إلى البيت حيث يُعاقب الطفل بالصراخ، ويُسكت عن الأسئلة، ويُعلّم أن الطاعة أهم من الفهم، فتكبر الأيدي الصغيرة على فكرة أن القوة تُثبت بالضرب، والخضوع، لا الحوار، والصمت، لا الحقيقة.
الاعتياد على المألوف، هو أول أشكال العنف.
الاعتياد على الصمت، هو أول أداة للعنف المستمر.
نصنع العنف حين نبرّر الضرب باسم الغضب، ونبرّر الإهانة باسم النية الطيبة، ونبرّر القمع باسم الضرورة، ونؤجّل السؤال:
“من يصنع العنف؟”
كل تأجيل يغرس الجذر أعمق.
العنف ليس دائمًا فعلًا، أحيانًا يكون صمتًا طويلًا، أحيانًا كلمةً صغيرة تهشم، أحيانًا قانونًا يعطي الحق للأقوى، أحيانًا خطابًا يصفق له الجميع، ويظل الفعل حاضرًا بلا جسد، لكنّه حاضر في كل لحظة، في كل نظرة، في كل قلب.
وحين ينفجر، نسارع إلى التفسير: انفعال، مرض، حادثة فردية… كل شيء… إلا الحقيقة المؤلمة: أن العنف نتاج مجتمع يظلّ يؤجّل السؤال، يؤجّل مواجهة المرآة، يؤجّل الاعتراف بالمسؤولية الجماعية.
العنف همسٌ قديم تجاهلناه طويلًا، صوت طفلٍ لم يُسمع، ونظرة مظلومٍ مرّ أمامنا، فأدرنا وجوهنا، ونمتّلأ سكوتًا على أمل أن يختفي شيء لم نواجهه.
فكسر دائرة العنف لا يبدأ باليد، بل يبدأ بالكلمة، بالفكر، بالشجاعة التي تقول: نعم… نحن جزء من الحكاية. حين نُسمي الأشياء بأسمائها، قد يتعلّم الغد لغةً لا تحتاج إلى الأذى، قد يتعلّم المجتمع أن يسكن الرحمة مكان الخوف، ويصبح السؤال، للمرة الأولى، ليس مؤجّلًا، بل إجابةً حية، تصنع عالمًا لم يعد يحتاج إلى الضربة لتفهمه البشرية.



