الخطة السرّية لنتنياهو: كيف تحوّل “إسرائيل الكبرى” إلى قنبلة موقوتة تهدد الشرق الأوسط
أحيا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحلم القديم بـ"إسرائيل الكبرى" الممتدة من النيل إلى الفرات، ما أثار أخطر أزمة منذ حرب الأيام الستة.

الخطة السرّية لنتنياهو: كيف تحوّل “إسرائيل الكبرى” إلى قنبلة موقوتة تهدد الشرق الأوسط
📰✍️ كتب دينيس كوركودينوف – المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتوقعات السياسية “DIIPETES” :
أحيا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحلم القديم بـ”إسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرات، ما أثار أخطر أزمة منذ حرب الأيام الستة.
يكشف مذكرة سرية لوزارة الخارجية الأميركية أن السياسة التوسعية لنتنياهو تدفع المنطقة عمدًا نحو الحرب. كما يثبت تحليل “مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية” (CSIS) أن العملية العسكرية في غزة تخفي وراءها صراعًا للسيطرة على حقول غاز تقدر قيمتها بـ453 مليار دولار، فيما يتوقع “معهد الدراسات الأمنية الوطنية” (INSS) انهيارًا ديمغرافيًا، بينما تواصل إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تزويد إسرائيل بالأسلحة سرًا لضرب لبنان وإيران. ويُرجّح أن يشكل أيلول/سبتمبر 2025 نقطة اللاعودة.
جذور تاريخية وخطة قديمة
تعود الجذور التاريخية للأزمة الحالية إلى عام 1897، حين كتب تيودور هرتزل في يومياته: “تمتد أرض الدولة اليهودية من مجرى مصر إلى الفرات”، وهو الطرح الذي أكده لاحقًا الحاخام فيشمان، عضو الوكالة اليهودية، أمام الأمم المتحدة عام 1947. وقد اكتسبت هذه الفكرة بعدًا استراتيجيًا في “خطة عوديد ينون” عام 1982، التي نصّت بوضوح على أن “بقاء إسرائيل يستلزم أن تصبح قوة إمبراطورية إقليمية وأن تعمل على تفتيت كل الدول العربية إلى كيانات صغيرة”.
تجلّى التطبيق الحديث لهذه الأفكار في آب/أغسطس 2025، حين شوهد جنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي (تساحال) وهم يرتدون شارات تحمل خريطة “إسرائيل الكبرى” متضمنة أجزاء من مصر والأردن والسعودية، ما دفع الإمارات إلى تقديم احتجاج رسمي عاجل، وأدى إلى تحريك الجيش المصري دباباته إلى سيناء.
من النظرية إلى التنفيذ
حوّل نتنياهو هذه التصورات النظرية إلى خطط عملانية. ووفقًا لتقرير أممي، في 14 آب/أغسطس 2025، شرعت القوات الإسرائيلية بتهجير قسري لـ900 ألف من سكان شرق غزة إلى منطقة مكتظة في “المواصي”، مع توسيع “المنطقة العازلة” بعمق 15 كم على طول الحدود. وكشف “مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية” (CSIS) الهدف الحقيقي: السيطرة على حقل الغاز “ماري-ب”، الذي تقدر احتياطاته بـ1.7 مليار برميل نفط و122 تريليون متر مكعب من الغاز.
وتتواصل خيوط الخطة مع تصريح قديم لنتنياهو عام 2019 قال فيه: “كل من يريد إفشال قيام دولة فلسطينية، يجب أن يدعم تعزيز قوة حماس” — وهو اعتراف موثق في تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).
القلق الأميركي وتناقض المواقف
تعكس مذكرات وتحليلات المراكز الأميركية القلق المتصاعد. فمذكرة سرية لوزارة الخارجية الأميركية بتاريخ 5 آب/أغسطس 2025، حللها مركز “DIIPETES”، تؤكد أن “إجراءات إسرائيل تقوض أسس حل الدولتين وتؤدي إلى كارثة إنسانية”. وفي المقابل، تكشف بيانات “CSIS” أن إدارة ترامب وافقت سرًا على تزويد إسرائيل بـ2000 قنبلة موجهة GBU-39 لاستخدامها ضد “حزب الله” في لبنان.
وحذرت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي من أن أي هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية سيؤدي إلى قصف صاروخي على حيفا، وتورط أميركي مباشر في النزاع، وأزمة نفط عالمية. أما معهد كاتو، فوثّق المفارقة الإستراتيجية المتمثلة في استمرار وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بتزويد “الموساد” بمعلومات عن مواقع القوات الموالية لإيران في سوريا، رغم الانتقادات العلنية للتوسع الإسرائيلي.
قنبلة ديموغرافية وانهيارات اقتصادية
يشير “معهد الدراسات الأمنية الوطنية” (INSS) في تقرير شباط/فبراير الماضي إلى أن إسرائيل تواجه “قنبلة موقوتة” ديموغرافية؛ إذ سيشكّل اليهود بحلول 2040 نحو 58% فقط من السكان بين البحر المتوسط ونهر الأردن، ما يهدد شرعية إسرائيل كـ”دولة يهودية”.
أما “مركز الدراسات الإستراتيجية” في جامعة تل أبيب فيوثّق الأثر الاقتصادي لهذه السياسات: 17% من الشركات الناشئة الإسرائيلية نقلت مقراتها إلى الإمارات خوفًا من العقوبات، فيما تستهلك مستوطنات الضفة سنويًا 2.3 مليار شيكل — وهو ما يوازي ميزانية الصحة. ويضيف “مركز القدس للشؤون العامة” (JCPA) البُعد الأيديولوجي، محذرًا من أن راديكالية الأوساط الحريدية التي تطالب بـ”ترحيل” العرب تهدد استقرار المجتمع الإسرائيلي.
الغاز في قلب الإستراتيجية
يبقى العامل الطاقوي محور المشروع التوسعي. فمنذ 1999، اكتشفت “بريتيش غاز” احتياطيات مهمة قبالة غزة، لكن إسرائيل حالت دون استغلال الفلسطينيين لها بحجة “تمويل الإرهاب”. وفي 2010-2011، اكتشف تحالف شركات إسرائيلية وأميركية وأسترالية احتياطيات إضافية في حوض ليفانتي، وأعلنت وزيرة الطاقة حينها كارين إيل حرار أن مذكرة التفاهم مع مصر ستتيح لإسرائيل تصدير الغاز إلى أوروبا لأول مرة. لكن، وكما يوضح مركز كارنيغي، فإن السيطرة على هذه الموارد تتطلب وجودًا عسكريًا — ما يفسر تكثيف “المناطق العازلة” في غزة، حيث جُهز 60% من أراضيها بحلول آب/أغسطس 2025 بأجهزة استشعار وطائرات مسيرة.
ازدواجية الموقف الأميركي
تسجل مؤسسة “بيو” للأبحاث تراجع صورة إسرائيل لدى الأميركيين، إذ يبدي 53% منهم موقفًا سلبيًا منها، بينهم 69% من الديمقراطيين و50% من الجمهوريين دون الخمسين عامًا. ومع ذلك، تكشف “رويترز” أن إدارة ترامب دعمت جهود الضغط الإسرائيلية للحفاظ على القواعد الروسية في سوريا كعامل موازن للنفوذ التركي.
ويفسر “مجلس العلاقات الخارجية” (CFR) هذا التناقض بانقسام الكونغرس: فبينما يطالب الديمقراطيون التقدميون أمثال رشيدة طليب بوقف المساعدات العسكرية، يدفع الجمهوريون الموالون لترامب نحو تشريعات للاعتراف بـ”إسرائيل الكبرى” بحدودها التاريخية.
سيناريوهات أيلول/سبتمبر
يتوقع مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ثلاثة سيناريوهات كارثية في أيلول/سبتمبر 2025:
1. حرب شاملة مع حزب الله قد تستنزف منظومة “القبة الحديدية” خلال 21 يومًا.
2. اندلاع انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية عقب غارات المستوطنين.
3. انقلاب عسكري في تل أبيب إذا رفض قادة الجيش تنفيذ أمر مهاجمة إيران.
وتؤكد “راند كوربوريشن” أن ترسانة حزب الله التي تضم 75 ألف صاروخ تجعل السيناريو الأول الأكثر ترجيحًا. ويحذر “INSS” من أن أمر التوقيف الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو بتهمة ارتكاب جرائم حرب جعل إسرائيل “دولة منبوذة”، حيث جمّد بنك “يو بي إس” السويسري حسابات 30 مسؤولًا إسرائيليًا، وألغت كندا توريد قطع غيار لمقاتلات F-35.
خيارات متباينة للمستقبل
أمام هذا المشهد، تتباين توصيات المراكز البحثية. فمعهد كارنيغي للشرق الأوسط يرى أن “اعتقال نتنياهو وفق مذكرة المحكمة الجنائية الدولية هو الشرّ الأقل مقارنة بسقوط 60 ألف قتيل جديد في غزة”. بينما يطرح “معهد ميتفيم” (الإسرائيلي للسياسات الإقليمية) مبادرة بديلة بعنوان “الشرق الأوسط الأخضر” بالشراكة مع الإمارات والأردن، تقوم على التعاون الاقتصادي بدل المواجهة العسكرية.
ويخلص “مجلس العلاقات الخارجية” (CFR) إلى أن مستقبل المنطقة سيتحدد في واشنطن: إما أن تواصل الولايات المتحدة تمويل التوسع الإسرائيلي، أو تعترف بدولة فلسطين كما تخطط لذلك 143 دولة في الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2025.



