نيتنياهو بين دبلوماسية الإدانة والمهمة الروحية
في لقاء تلفزيوني على القناة i24 قال نيتنياهو ما نصه: "إنه في مهمة تاريخية وروحية، وأنه بالتأكيد متمسك جدًا برؤية إسرائيل الكبرى"... فرد عليه العرب بالإدانة.

نيتنياهو بين دبلوماسية الإدانة والمهمة الروحية
✍️📰 وليد عبد الحي
في لقاء تلفزيوني على القناة i24 قال نيتنياهو ما نصه: “إنه في مهمة تاريخية وروحية، وأنه بالتأكيد متمسك جدًا برؤية إسرائيل الكبرى”… فرد عليه العرب بالإدانة.
للتذكير فقط، بدأ الموضوع بوعد بلفور، ثم أقرته الأمم المتحدة في قرار رقم 181 في نوفمبر 1947 بالاعتراف بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية شملت الضفة الغربية وغزة وأغلب الجليل وامتداد بما يعادل مساحة قطاع غزة في النقب وحتى حدود بئر السبع، والباقي هو دولة إسرائيل، لكن الحركة الصهيونية أخذت الجليل بكامله والنقب كله، وأدان العرب ذلك التصرف.
وفي عام 1967 أكملت الصهيونية مشروعها باحتلال فلسطين وأجزاء من مصر وسوريا ولبنان لاحقًا، وأدان العرب ذلك “أمام حجاب”، أما “ما وراء الحجاب فشيء آخر”. ثم أعلن ترامب ضم القدس في رئاسته الأولى، فادان العرب الضم مرة أخرى.
المؤشرات الأساسية
- تصريح ترامب بأن إسرائيل منطقة ضيقة وتحتاج لمزيد من الأراضي أو العقار بلغة ترامب.
- تصريح ترامب عن “ريفيرا غزة” وتفسيرات سفيره في إسرائيل لذلك.
- عشرات التصريحات من بن غافير وسموتريتش وجالانت… إلخ، عن تهجير فلسطيني الداخل.
الخطاب الرسولي والروحي لنيتنياهو
لقد تحدث نيتنياهو بلهجة “رسولية”، فهو في مهمة روحية “ينفذ أمر الله”، وهو أيضًا “في مهمة تاريخية” يكمل فيها تنفيذ أمر أرض الميعاد، ووضع حدودًا لمهمته في إنجاز “إسرائيل الكبرى”.
مفهوم إسرائيل الكبرى
وثمة مفهومان لإسرائيل الكبرى في الأدبيات الصهيونية المعاصرة:
- المفهوم التاريخي: يتبناه اليمين الإسرائيلي الديني، ويعني فلسطين وجوارها المباشر لتكون دولة إسرائيل بين نهر النيل ونهر دجلة. العلم الإسرائيلي يوضح ذلك، فنجمة داود تقع بين خط أزرق فوقها – وهو النيل – وخط أزرق تحتها – وهو دجلة. تعبير “إسرائيل الكبرى” هو “جيوسياسي ديني”، لكنه في جوهره مشروع جيواستراتيجي أمني.
- المفهوم الجيواقتصادي: تبناه الثنائي إسحق رابين وشيمون بيريز “الشرق الأوسط الجديد”، على أن تكون إسرائيل هي “قلب” هذه الكتلة الجيواقتصادية.
ويشير المسار منذ 1979 إلى الآن أن المشروع الجيواقتصادي يتوارى تدريجيًا لصالح توظيفه لخدمة المشروع الجيوسياسي، الذي يجعل من أولوية الأمن تعلو أي أولوية أخرى أو تُطوَّع لصالحه. فتفريغ السكان من فلسطين، والتمدد الجغرافي والسيطرة على مصادر المياه والغاز، واحتلال كل منطقة استراتيجية مجاورة، ومنع مشاركة قوى إقليمية عربية أو إسلامية في جني أية مكاسب لها في المنطقة، كلها مؤشرات على أولوية الجيوسياسي على غيره.
كل ذلك هزم المشروع الجيواقتصادي لإسرائيل الكبرى، بدليل أن أنصاره الآن في الكنيست لا يملأون إلا مقاعد محدودة للغاية من القوى الصهيونية. وهذا يعني أن المشروع الجيوسياسي له الأولوية، وعلى المشروع الجيواقتصادي أن يخدم المشروع الجيوسياسي الأمني لا العكس.
الرد العربي المطلوب
الرد على المشروع الصهيوني الجيوسياسي والجيوأمني يستلزم ردًا جيوسياسيًا أمنيًا واضحًا، وليس الانضمام العربي إلى القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم) مع إسرائيل لتسهيل التعاون الأمني العربي الإسرائيلي وتقاسم الأعباء معها، بخاصة بعد نقل إسرائيل من تبعيتها للقيادة الأوروبية (يوكوم)، وهو ما يعزز آليات المشروع الجيوسياسي الإسرائيلي الأمريكي في المنطقة. فتترابط حلقات القوات الأمريكية والإسرائيلية بالمشروع الإبراهيمي، لنكون جزءًا من التطويق الغربي للمشاريع الصينية والروسية والإيرانية.
ويكفي أن نذكر أن إنشاء القيادة الأمريكية المركزية تم عام 1983 بعد أربعة أعوام من الغزو “السوفييتي” لأفغانستان وقيام الثورة الإيرانية، وفي عام 2004 تم نقل سوريا ولبنان لمجال عمل القيادة المركزية، وإلا كيف نفسر الأدوار التي توزعت على دول المنطقة في المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في الأيام الـ12 في يوليو الماضي؟
إن فراغ المنظور العربي من الأبعاد الجيوسياسية والجيوأمنية لا تملأه بيانات الإدانة، والتي لا توليها إسرائيل أدنى اهتمام. المهمة الروحية والتاريخية التي تتراءى لنيتنياهو تحتاج لمهمة “عربية روحية وتاريخية” مقابلة، لا خنقها بدس قطن الإبراهيمية في حلقها.
والأغرب في الدبلوماسية العربية أنها تروج لمنافع السلام “ومللنا الحروب…” من ناحية، لكنها من ناحية أخرى تقف في المراتب الأولى عالميًا في نسبة الإنفاق العسكري إلى إجمالي الناتج المحلي. ولا أجد لذلك أي تفسير إلا الرغبة في السلام مع إسرائيل للتفرغ للمهام الأمنية الأخرى التي تخدم إسرائيل والمشروع الأمريكي ضمن المنظور الجيوسياسي الأمني.
التهديدات المستقبلية
ها هو نيتنياهو يمهّد الأرض لتهجير غزة، وتهجير الضفة الغربية (قسرًا وطوعًا)، ويعيد هندسة سوريا جغرافيا وسكانيًا، ويصر على اجتثاث أية مقاومة له في أية بقعة عربية، ويقف الاتجاه التاريخي الأعظم للدبلوماسية العربية المعاصرة إلى جواره.
وأتمنى من كل عربي أن يعود لمقال وزير الخارجية الإسرائيلي الحالي جدعون ساعر (قبل عشر سنوات تمامًا) والذي ترجمته كاملًا ونشرته وأشرت له مرارًا على صفحتي بتاريخ 4 يناير 2025، وهو:
Gideon Sa’ar and Gabi Siboni – Farewell to Syria – INSS.no.754.oct.13.2015
فما يقوله ساعر في هذا المقال تأكيد قاطع على أولوية المشروع الجيوسياسي الإسرائيلي الأمريكي، وتوظيف المشروع الجيواقتصادي لخدمته.



