التاريخ لا يغفر لمن رفع التافهين وأنزل العظماء….
التاريخ ليس سجلًّا محايدًا كما يروّج له المنتصرون، بل محكمة مؤجَّلة، قد تتأخر أحكامها، لكنها لا تُخطئ المتهمين. هو ذاكرة الشعوب حين تُخدَّر، وصوت الحقيقة حين يُقمع، وميزان العدالة عندما تُقلب الموازين عمدًا.

التاريخ لا يغفر لمن رفع التافهين وأنزل العظماء…
🧾✍️بقلم: فاطمة يوسف بصل
التاريخ ليس سجلًّا محايدًا كما يروّج له المنتصرون، بل محكمة مؤجَّلة، قد تتأخر أحكامها، لكنها لا تُخطئ المتهمين. هو ذاكرة الشعوب حين تُخدَّر، وصوت الحقيقة حين يُقمع، وميزان العدالة عندما تُقلب الموازين عمدًا.
نحن نعيش زمن الانقلاب على القيمة. زمن تُدار فيه المجتمعات بسياسة التفاهة، ويُصنع فيه “النجوم” لا ليقودوا الوعي، بل ليُلهوا الشعوب عن الأسئلة الخطِرة.
في هذا الزمن، لا يُرفع التافه صدفة، بل يُرفع بقرار، ولا يُهمَّش العظيم خطأً، بل لأنه خطر على منظومة لا تعيش إلا على الطاعة، والسطحية، وفقدان الذاكرة.
اليوم يُمنح الضوء لمن يُتقن الضجيج، وتُغلق المنابر أمام من يحمل موقفًا. تتصدر الشاشات وجوه بلا أثر، بينما يُقصى أهل الفكر والحق، لا لأنهم عاجزون، بل لأنهم لا يُشترون.
حين نُسي أطباء وممرضو كورونا الذين وقفوا بين الإنسان والموت، وواجهوا الفناء بصمتٍ وشرف، بينما امتلأت الشاشات بصانعي الترفيه السريع، لم يكن ذلك غفلة اجتماعية، بل سياسة إلهاء متعمدة.
حين يُشيطَن المقاومة في لبنان وفلسطين، ويُعاد تعريف الكرامة كجريمة، ويُصنَّف الدفاع عن الأرض تهمة، ويُكافأ من يروّض الوعي ويُخوَّن من يحمل الحجر والحق، فنحن أمام جريمة أخلاقية مكتملة الأركان، لا مجرد اختلاف في الرأي.
وحين يُغيَّب علماء عرب كمحمد زهرة، أحد العقول في وكالة ناسا، ولا يُذكر اسمه إلا بعد موته، بينما تُصنع النجومية لمن لا يحمل فكرًا ولا معرفة ولا مشروعًا، فهذا ليس فشلًا إعلاميًا، بل خيانة معرفية ممنهجة.
التاريخ يعرف هذه الأنظمة جيدًا. رآها من قبل، وأسقطها واحدة تلو الأخرى.
ما يُرفع ظلمًا سيسقط حتمًا، وما يُهمَّش حقًا سيعود شاهد إدانة.
من يرفع التافهين اليوم يبني مجتمعًا هشًّا، قابلًا للانهيار عند أول اختبار.
فاحفظوا مواقعكم جيدًا، فالتاريخ لا ينسى من قلب الموازين، ولا يغفر لمن جعل التفاهة سياسة، والخنوع فضيلة، والشرف تهمة.
وعندما يُغلق هذا الفصل، لن يبقى في الصفحة إلا من دفع الثمن بكرامة، أما البقية… فسيمرّون في السجل كما مرّوا في الواقع: ضوضاء عابرة، ثم فراغ، ثم لا شيء.



