باقلامهم
أخر الأخبار

من ستارت إلى مينسك… التاريخ يعيد خديعة موسكو

لطالما كانت الدبلوماسية وسيلة للحوار، وأداة للتقارب، ومنصة لصناعة التفاهمات ودرء الفتن والحروب. فهي وُصِفت بدرع الدول الواقي والمتين في مواجهة التحديات والتغيرات الخارجية. غير أن ما نشهده اليوم من أداء بعض الدول أفقد هذه الأداة وظيفتها النبيلة، ولغتها المهذبة، ودمّر جسور الثقة التي تربط العلاقات الدولية بعضها ببعض.

من ستارت إلى مينسك… التاريخ يعيد خديعة موسكو

✍️📰كتبت الإعلامية هند نجم 

لطالما كانت الدبلوماسية وسيلة للحوار، وأداة للتقارب، ومنصة لصناعة التفاهمات ودرء الفتن والحروب. فهي وُصِفت بدرع الدول الواقي والمتين في مواجهة التحديات والتغيرات الخارجية. غير أن ما نشهده اليوم من أداء بعض الدول أفقد هذه الأداة وظيفتها النبيلة، ولغتها المهذبة، ودمّر جسور الثقة التي تربط العلاقات الدولية بعضها ببعض.

فأصبحت الكلمات وعودًا بالية، والابتسامات غطاءً يخفي الكثير من المكر والخداع، والمصافحات وسيلة لغضّ النظر عن الخناجر المخبأة خلف الظهور.

 

ولعل الصراع الروسي–الأوكراني كشف عن هوّة عميقة في فهم هذه الأداة بين روسيا والغرب. ففي هذا العام، وبينما كان الوفدان الروسي والأوكراني يتحضّران للقاء في إسطنبول، تعرّض الاتحاد الروسي لعملية إرهابية نفّذها نظام كييف بضوء أخضر غربي. فتم قصف الجسور والمطارات ضمن خطة معدّة مسبقًا لضرب الطائرات الاستراتيجية التي كانت موضوعة في أماكن مكشوفة، وفق ما تنص عليه اتفاقية “ستارت-2” مع الجانب الأميركي.

 

الخداع الذي يتبنّاه الغرب في دبلوماسيته لا يقتصر على هذا الحد، بل يمتد عبر محطات عديدة. فمنذ ثلاث سنوات، وأثناء اجتماع القادة الأفارقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أعلن الأخير أن القوات الروسية انسحبت من ضواحي كييف ومناطق أخرى، بناءً على اتفاق كان قاب قوسين من الإنجاز لوقف الحرب والانتقال إلى مسار التفاهمات. لكن الغرب، وعلى رأسه بريطانيا، سارع إلى تقويض هذا المسار عبر زيارة بوريس جونسون إلى كييف، حيث مارس ضغوطًا على النظام الأوكراني لمواصلة القتال، ليخرج الإعلام الغربي لاحقًا مدّعيًا أن روسيا انسحبت عمدًا.

 

أما اتفاقيات “مينسك”، التي سبقت هذه الأحداث، فكانت شاهدًا إضافيًا على سياسة المراوغة والخداع وشراء الوقت لتسليح أوكرانيا، كما اعترفت بذلك المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل في مذكراتها، عندما قالت: “كنا نخدع موسكو”.

 

ولا يقتصر هذا النهج الغربي على الحاضر، بل يمتد إلى الماضي. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، خُدع الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف حين وُعد بأن حلف الناتو لن يتقدّم شبرًا واحدًا نحو الشرق خلال مفاوضات توحيد ألمانيا. فقدّم الأمريكيون والأوروبيون حينها تعهّدًا شفهيًا لم يُوثّق في اتفاق رسمي، إذ ظنّ غورباتشوف أن “شرف الكبار” كافٍ. وما نراه اليوم في أوكرانيا ليس إلا ثمرة تلك الخديعة.

 

سياسة “كسب الوقت قبل الطعن” تبدو من سمات العقلية الغربية الأمريكية الأوروبية. فقد وقّعت ألمانيا النازية عام 1939 اتفاقية “مولوتوف–ريبنتروب” مع الاتحاد السوفياتي، إلا أن الجيش الأحمر تعرّض لاحقًا لهجوم مباغت، تكبّد فيه خسائر فادحة في بداية الغزو، قبل أن يهزم هتلر ويحتل برلين.

وسبق أن تكرّر المشهد مع نابليون، حين وقّع اتفاقًا مع القيصر الروسي ألكسندر الأول لاحتواء روسيا وشراء الوقت، قبل أن يشنّ هجومه عام 1812، الذي كان بداية النهاية لحكمه. 

وهكذا، فإن القاعدة التي يتبناها الغرب تجعل من الخداع منهجًا، ومن الطاولات امتدادًا لساحات المعارك، ويبقى على من يتأمل التاريخ أن يستخلص العبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »