الغياب سهمٌ يمزّق أضلع المشتاق…
الغياب ليس مجرد رحيل بالجسد، بل هو طعنٌ ناعم في خاصرة الروح، سهمٌ صامت لا يصدر صوتًا حين يخترق القلب، لكنه يخلّف داخله نزيفًا لا يُرى، ووجعًا لا يُنسى. هو المسافة القاسية بين الحضور والحنين، بين الذكرى والواقع، بين ماضٍ نتشبّث به، وحاضرٍ يأبى أن يمنحنا دفء الأحبة.

الغياب سهمٌ يمزّق أضلع المشتاق…
✍️بقلم: فاطمة يوسف بصل
الغياب ليس مجرد رحيل بالجسد، بل هو طعنٌ ناعم في خاصرة الروح، سهمٌ صامت لا يصدر صوتًا حين يخترق القلب، لكنه يخلّف داخله نزيفًا لا يُرى، ووجعًا لا يُنسى. هو المسافة القاسية بين الحضور والحنين، بين الذكرى والواقع، بين ماضٍ نتشبّث به، وحاضرٍ يأبى أن يمنحنا دفء الأحبة.
الغياب سهمٌ، لكنه لا يأتيك من عدو، بل من قلبٍ كنت تظنه بيتك الآمن. سهمٌ يُطلقه القدر بلا إنذار، ولا يترك لك خيارًا سوى البكاء بصمت.
تجربتي الشخصية مع الغياب غامضة، تحكي قصة وجعٍ لم تُروَ إلا بقلبي، حيث رحل عني من كان ملاذي الآمن، ترك خلفه فراغًا تائهًا لا تملأه الكلمات ولا تخففه الأيام.
رحل والدي خلال جائحة كورونا، دون وداع، دون كلمة أخيرة أو لمسة حانية، وكان غيابه بمثابة فقدان الأمان الأبدي. وبقي صدى صوته في أذني، وصورته في قلبي، لكن دفء حضوره أصبح ذكرى بعيدة، تئن روحي عليها في صمت الليل.
كما غاب الإمام الحسين (ع) في معركة الطف، وبقيت السيدة زينب (ع) تبكيه وتقول: “ما رأيتُ إلا جميلاً”، هكذا نرى الغياب إما فداءً نبيلًا أو وجعًا لا يُمحى.
الغياب لا يقتل فقط من يتركنا، بل يترك فينا جرحًا عميقًا، أحيانًا أعمق من الفقد المادي. في واقعنا، كثيرون يعانون غياب أحبائهم: الأم التي لم تنل حضن ولدها بسبب قيود كورونا، الأب الذي فقد وظيفته وأصبح بعيدًا عن عائلته، الصديق الذي هجر بلا سبب، والحبيب الذي اختفى بلا وداع.
الغياب سهم قاتل، لكنه أيضًا معلم قاسٍ، يعيد ترتيب قلوبنا ويعلّمنا من يستحق البقاء، ومن لم يُخلق للبقاء في أرواحنا.
الغياب يقودنا إلى ظلمات الوحدة، لكنه يفتح أمامنا نافذة على الصبر، والصمت، والتمسك بالذكرى.
في قلب الغياب تكمن دروس الحياة وأسرار الصبر، فكم من سهم طائش أوجع الروح، وكم من صمت قاتل أجهض الحكايات الجميلة. لكن رغم الألم، يبقى الحُب حاضرًا فينا، وصوت الذكرى لا ينطفئ.
كما يقول الشعر:
قلبي ينزفُ من الانتظارِ،
حدثني عن الذنبِ الذي ارتكبتُ،
ولا تقتلني بصمتك،
فالصمتُ يقتلُ الأحبة،
ويترك في الروح جراحًا لا تلتئم.
وهنا تكمن الحكمة:
*”الغياب هو اختبارٌ حقيقي لقوة الروح، فالصبر في البُعد يشعل نار اللقاء.”*
*”لا شيء يقتل الحضور مثل الغياب المستمر، ولا شيء يعيد الحياة إلا كلمة، أو لمسة، أو ذكرى.”*
*”الغياب يعلمنا دروسًا قاسية عن قيمة الأشخاص في حياتنا، وعن صدق المشاعر التي لا تموت.”*
فلا تجعلوا الصمت قاتلًا، ولا يكون الغياب سوى فصل مؤقت في قصة وفاء لا تنتهي. إذ في نهاية المطاف، القلب المشتاق يبقى نابضًا، يحمل في أضلاعه نبض اللقاء والرجاء.



