الدكتور بشارة صليبا ل pravda tv:روسيا ترسم المستقبل من سانت بطرسبورغ إلى النظام العالمي الجديد
لم يعد ممكنًا الحديث عن ملامح النظام الدولي الجديد من دون الوقوف عند دور روسيا المتعاظم في صياغة هذا التحول. فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، دخل العالم في مرحلة من الفوضى الممنهجة التي قادتها القوى الغربية، حيث احتكرت القرار الدولي وفرضت معاييرها الأحادية على المنظمات والمؤسسات الدولية. غير أن روسيا، بقيادتها السيادية، باتت اليوم تُعيد ضبط الإيقاع العالمي من بوابة المبادرة السياسية والقانونية والاقتصادية والثقافية، مُكرّسة مكانتها كفاعل لا غنى عنه في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

الدكتور بشارة صليبا ل pravda tv:روسيا ترسم المستقبل من سانت بطرسبورغ إلى النظام العالمي الجديد
روسيا في قلب التحول
لم يعد ممكنًا الحديث عن ملامح النظام الدولي الجديد من دون الوقوف عند دور روسيا المتعاظم في صياغة هذا التحول.
فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، دخل العالم في مرحلة من الفوضى الممنهجة التي قادتها القوى الغربية، حيث احتكرت القرار الدولي وفرضت معاييرها الأحادية على المنظمات والمؤسسات الدولية. غير أن روسيا، بقيادتها السيادية، باتت اليوم تُعيد ضبط الإيقاع العالمي من بوابة المبادرة السياسية والقانونية والاقتصادية والثقافية، مُكرّسة مكانتها كفاعل لا غنى عنه في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
حول هذا المشهد، وحول منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي كمنصة استراتيجية لصياغة هذا الدور، نحاور الدكتور بشارة صليبا، دكتور في القانون والعلوم السياسية، عبر منصة Pravda TV، في محاولة لقراءة معمقة لما يجري في روسيا، وما يتهيأ له العالم.
الهيمنة الغربية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي
أدى انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات إلى إحداث فراغ في التوازن الدولي.
القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، استغلت هذا الفراغ لتفرض رؤيتها الأحادية، متحررة من أي التزام بالقانون الدولي أو احترام لسيادة الدول.
جرى تفسير المبادئ القانونية بشكل انتقائي، وتوظيف المؤسسات الدولية بما يخدم مصالحها، دون مراعاة للعدالة أو التعددية.
تحريف المؤسسات الدولية عن مسارها
مؤسسات مثل محكمة العدل الدولية، منظمة التجارة العالمية، واليونسكو، بدل أن تكون أدوات للتعاون الدولي، تحولت إلى أدوات تستخدمها الدول الغربية لفرض العقوبات، التدخل في شؤون الدول، بل والمساهمة في تفكيك أنظمة قائمة تحت ذرائع حقوق الإنسان والديمقراطية. هذه الممارسات أفرغت النظام الدولي من مضمونه الجماعي.
الطرح الروسي البديل: السيادة أولًا
في مواجهة هذا الواقع، برزت روسيا بمشروع مضاد يقوم على السيادة، التوازن، ورفض التبعية. لقد فتحت موسكو النقاش حول ضرورة إعادة صياغة أسس العلاقات الدولية، وبدأت بتنظيم منتديات ومؤتمرات دولية على أراضيها تهدف إلى التفكير المشترك في بدائل حقيقية. لم تعد هذه المنتديات مناسبات بروتوكولية، بل مختبرات سياسية واقتصادية وثقافية ذات بُعد استراتيجي عالمي.
روسيا لاعب مركزي في النظام الجديد
روسيا اليوم ليست قوة عسكرية فحسب، بل قوة اقتصادية، تكنولوجية، وثقافية ذات مشروع واضح. ومن موقعها السيادي، ترفض الانخراط في نظام دولي قائم على الهيمنة، وتعمل على تطوير نموذج قانوني جديد يحمي الدول بدل تفكيكها. القرار الروسي مستقل، ورؤيته العالمية نابعة من مصالح داخلية متوازنة مع شراكات دولية عادلة.
النهضة الداخلية: من الاقتصاد إلى الإبداع
من بطرسبورغ إلى فلاديفوستوك، تشهد روسيا ورشة داخلية شاملة تشمل التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، الفضاء، الصناعة، الغذاء، وعلوم المحيطات. هناك استثمار حقيقي في طاقات الشباب والعلماء ورواد الأعمال، بهدف بناء اقتصاد منتج ومستقل، واستعادة مكانة روسيا العالمية من خلال الإبداع والعمل، لا من خلال المواجهة فقط.
قانون يحمي الجميع: العدالة بدل الامتيازات
القانون الروسي الجديد يُصاغ لحماية الفئات الوسطى والفقيرة، وليس فقط الكيانات الكبرى. تسعى روسيا إلى تحويل القانون إلى منصة تتيح الإبداع وتحفزه، وتحوّل الإنجاز الفردي إلى قيمة اقتصادية واجتماعية وطنية قابلة للتصدير كنموذج. المنظومة الحقوقية تُعاد صياغتها بما يتلاءم مع متغيرات العصر وتحدياته.
المنتديات الروسية: استراتيجيات لا شعارات
منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي ليس مجرد تظاهرة، بل هو منصة عمل تنتج أفكارًا وسياسات. المشاركون فيه يمثلون دولًا ومؤسسات من العالم أجمع، ويطرحون رؤاهم في بيئة تشجع على التعددية، الحوار، والشراكة المتكافئة. من هذا المنتدى، يتم إنتاج مقاربات جديدة لبناء نظام دولي أكثر عدالة.
روسيا تفتح الباب للدول ذات السيادة المحدودة
عكس المنصات الغربية التي تحتكر النقاش وتقصي الآخر، تسعى روسيا إلى إفساح المجال أمام دول العالم الثالث والدول المتوسطة القوة لتشارك في صياغة النظام الدولي الجديد. هذه الدول، التي طالما تم تجاهلها، تجد في المبادرة الروسية فرصة للظهور والتأثير، ضمن بيئة تحترم التنوع وتؤمن بالسيادة.
نموذج بديل للنظام الغربي المأزوم
في مواجهة المشروع الغربي الذي فشل في إنتاج الاستقرار، تقدم روسيا مشروعًا بديلًا يقوم على السيادة، التعددية، التنمية، والعقلانية. هذا المشروع ليس مثاليًا، لكنه واقعي، وقابل للتطبيق، ويستجيب لحاجات الدول والشعوب في عالم أنهكته الحروب والعقوبات والحصار.
رؤية الدكتور بشارة صليبا حول الدور الروسي في النظام الدولي الجديد
أكد الدكتور بشارة صليبا، المختص في القانون والعلوم السياسية، ، أن روسيا تسعى اليوم إلى بناء نظام دولي أكثر عدالة وتوازنًا، يتجاوز مجرد الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.
من خلال تنظيم منتديات مثل منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، تتيح روسيا فضاءً حواريًا شاملاً للدول التي تطمح إلى دور أكبر في صنع القرار الدولي، حيث يتم إنتاج بدائل واقعية تحترم سيادة الدول وتعزز التعددية والشراكة.
هذه المبادرات تعكس تركيز روسيا على جوهر المشاركة الفاعلة، ما يجعلها طرفًا مركزياً في إعادة صياغة قواعد النظام الدولي، بالشراكة مع قوى صاعدة ودول تسعى للخروج من هامش التأثير العالمي.
روسيا لا تنجرّ إلى منطق الرد على الغرب… بل تبني عالمًا آخر
ما يجري في روسيا ليس مجرد رد فعل على السياسات الغربية، بل هو مشروع استراتيجي لإنتاج عالم آخر. عالمٌ أكثر توازنًا، وأقل عنفًا، وأكثر قدرة على احتواء الطموحات البشرية ضمن منظومة دولية عادلة. ومن سانت بطرسبورغ، يبدأ هذا العالم بالتشكل.



