المحور الأوراسي الصاعد.. روسيا بين الصين والهند في مواجهة الضغوط الأمريكية
محطات تشهد تبلور خطوط إعادة ترتيب موازين القوى العالمية. فقد جاء توقيع مذكرة التفاهم الروسية-الصينية الخاصة بخط أنابيب الغاز "قوة سيبريا-2" يوم الثلاثاء 2 سبتمبر 2025 في العاصمة الصينية، ليكون ذروة الحدث الاقتصادي الاستراتيجي ضمن قمة منظمة شنغهاي للتعاون.

المحور الأوراسي الصاعد.. روسيا بين الصين والهند في مواجهة الضغوط الأمريكية
✍️📰 كتب د. سعد خلف – موسكو
محطات تشهد تبلور خطوط إعادة ترتيب موازين القوى العالمية. فقد جاء توقيع مذكرة التفاهم الروسية-الصينية الخاصة بخط أنابيب الغاز “قوة سيبريا-2” يوم الثلاثاء 2 سبتمبر 2025 في العاصمة الصينية، ليكون ذروة الحدث الاقتصادي الاستراتيجي ضمن قمة منظمة شنغهاي للتعاون.
إن الاتفاق على تنفيذ مشروع “قوة سيبريا-2” وخط “اتحاد الشرق” عبر منغوليا، بعد إزالة كل العوائق والنقاط الخلافية، فضلا عن التوسع في خطي “قوة سيبريا-1” و “مسار الشرق الأقصى”… ليس مجرد مشروع للطاقة.. بل اعلان عن إعادة توجيه استراتيجي للغاز الروسي شرقاً.
روسيا التي فقدت جزءا كبيرا من حصتها في السوق الأوروبية بفعل العقوبات، تجد في الصين شريكا.. مستقرا.. طويل الأمد، بينما ترى بكين في موسكو مصدراً.. آمناً.. بعيدا عن المخاطر البحرية.. والتدخلات الأمريكية.
الأهمية السياسية لهذا المشروع تكمن، حسبما أرى، في تزامنها مع قمة منظمة شنغهاي للتعاون، أي في لحظة تسعى فيها موسكو وبكين إلى تقديم نفسيهما كقطب استراتيجي قادر على صياغة بدائل في الطاقة والأمن والحوكمة الدولية، وهو المقترح الذي طرحه الرئيس شي خلال اجتماع قمة المنظمة أمس 1 سبتمبر 2025 وأّمن عليه بوتين.
ولا يفوتنا الإشارة إلى ان خطوط الغاز.. البرية.. تمنح الصين هامشا واسعا من المناعة… في مواجهة أي محاولات أميركية لعزلها أو تعطيل وصولها ونفاذها إلى موارد الطاقة.
غير أن الحدث الموازي خلال كل ما يجري في الصين من أحداث هذه الأيام، والذي لا يقل أهمية عما ذكرته أعلاه من اتفاق بين بوتين و شي… كان اللقاء المطول بين بوتين و مودي، والذي بدأ داخل سيارة بوتين “أوروس” الرئاسية واستمر قرابة ساعة كاملة داخلها.. بعيدا عن كل الأعين والأذان…
هذا اللقاء عكس أجواء ودية ومميزة.. مودي تحدث، خلال الجزء البروتوكولي المعلن فيما بعد، عن أن روسيا وقفت دائما إلى جانب الهند في اللحظات الصعبة… بينما وصفه بوتين بـ ” الصديق العزيز”.
هذه المواقف تأتي في توقيت ولحظة يتعرض فيها مودي لضغط أمريكي متصاعد. فإدارة ترامب.. بلغة تهديدية فرضت رسوم جمركية تصل إلى 50% على واردات الهند، نصفها، أي 25% مرتبط بشراء نيودلهي للنفط الروسي، فيما واصل ترامب انتقاد نيودلهي لارتفاع رسومها الجمركية على البضائع الأمريكية، بل ويحرض الأوروبيين لفرض رسوم على الهند.
بيد أن مودي.. وبعناد.. لم يرضخ. وتستمر الهند في استيراد النفط الروسي المخفض السعر، بل زادت نسبة الخصم مؤخراً لتبلغ نحو 6%.. وهو ما وفر لمصافيها منذ عام 2022 أرباحا.. إضافية.. تبلغ تقريبا 17 مليار دولار.
الهند التي تستورد في الوقت الحالي 40% من احتياجتها النفطية من روسيا، ترى في هذه الصفقة مع روسيا مكسبا استراتيجيا يتجاوز بكثير الخسائر المحتملة من الرسوم الأمريكية، خاصة وأن تجارتها مع روسيا بلغت مستوى قياسي عند 68.7 مليار دولار، مع هدف معلن من الجانبين بالوصول إلى حجم تبادل تجاري يبلغ 100 مليار دولار بحلول 2030.
ورغم الفجوة الكبيرة في الميزان التجاري، حيث تبلغ واردات روسيا إلى الهند 64 مليار دولار.. مقابل 5 مليارات دولار صادرت من الهند إلى روسيا… إلا أن الترتيبات المالية غير الدولارية بين الطرفين تخفف من وطأة الفارق وتمنح هذا التعاون بعدا استراتيجيا في.. تقويض هيمنة الدولار.
أهمية هذا المسار لا تكمن، في رأيي، في حجم الأرقام فقط… بل في دلالات الانحياز السياسي.. فمشاركة مودي في قمة شنغهاي.. وفي الصين.. وللمرة الأولى منذ سبع سنوات… هي إشارة واضحة.. وعالية الصوت.. إلى أن نيودلهي لا تنوي الانصياع بالكامل للخط الأمريكي، لا تحت الترغيب ولا خوفا من الترهيب.
وبالرغم من أن الهند تظل.. حذرة.. في مواقفها تجاه الأزمة الأوكرانية، فإنها عمليا تعمق تعاونها مع موسكو في الطاقة.. والتسليح.. (تم توقيع عقود طيران حربي جديدة هذا العام).
إن اعتقادي الراسخ في قراءة كل هذه التطورات، أن الضغوط الأمريكية، وخصوصا من جانب العم ترامب، سواء في ملف الطاقة أو في ملف التجارة… أدت.. عملياً.. إلى دفع الهند أقرب إلى روسيا… وأيضا إلى تليين مواقف نيودلهي تجاه الصين.. في إطار إقليمي أوسع.
بهذا المعنى، يمكن القول إن واشنطن.. وهي تسعى إلى محاصرة موسكو.. ساهمت عن غير قصد في تقوية محور روسي-هندي… يمتد عبر منظمة شنغهاي للتعاون… ويفتح أمام نيودلهي و مودي خيارات أكثر إستقلالية.
اجتماع بوتين مع شي و مودي على هامش القمة يشير، من وجهة نظري الشخصية طبعاً، إلى أن المحور الأوراسي.. يتبلور.. ليس فقط في صياغة ثنائية.. روسيا-الصين.. كما كان التصور سابقا.. بل في شكل مثلث استراتيجي موسع يشمل الهند.. ويجمع بين حاجات الطاقة الروسية… وحاجات النمو الصينية… وطموحات الهند.. في لعب دور القوة المستقلة… غير التابعة للغرب…
ولا يس
ولا يسعني هنا مجدداً سوى أن أرفع القبعة لـ بوتين… ليس انبهارا بغير وعي بشخصه… بل تقديرا لبرود أعصابه.. وبعد نظره… وقدرته على القراءة الاستراتيجية البعيدة.. وربط المصالح بالأهداف بالأبعاد النفسية للأمم.. والشعوب.. والقادة… بما يصب في مصلحته… دون ضغط أو إملاء.
إن زيارة بوتين إلى بكين لمدة 4 أيام في ظل ظروف الحرب المستمرة… وتوقيع اتفاقيات الغاز الضخمة… ولقائه المطول بـ مودي… كلها عناصر تؤكد أن موسكو لا تتحرك منفردة في مواجهة الضغوط الغربية… بل على العكس، فإنها تنسج شبكة متنامية من الشراكات التي تمنحها هامش مناورة واسع.
في هذا السياق، يصبح من الواضح أن الرهان الغربي على عزل روسيا اقتصاديا وسياسياً.. لم يتحقق.. فبدائل الطاقة شرقاً… والتحالفات الأوراسية… تسير بخطى.. متسارعة.. نحو إعادة صياغة خريطة القوة العالمية…
أو كما قال أحدهم حينها بغرور New World Order…



