اخبار دولية
أخر الأخبار

زيارة القادة الأوروبيين إلى كييف ..  وهل يتهيأ الغرب لحرب واسعة.. لا تريدها روسيا؟

زيارة القادة الأوروبيين إلى كييف ..

 وهل يتهيأ الغرب لحرب واسعة.. لا تريدها روسيا؟

✍️كتب الإعلامي سعد خلف – موسكو

 

لا يتوقف التصعيد المستمر في الأزمة الأوكرانية، وعادت العاصمة كييف إلى واجهة المشهد الدبلوماسي الأوروبي مع توالي زيارات القادة الأوروبيين، في خطوة تفسرها موسكو باعتبارها تأكيداً جديدا على انخراط أوروبا الكامل في المعسكر المعادي لروسيا. وبينما تصف العواصم الغربية هذه الزيارات بأنها دعم سياسي وإنساني لكييف، تراها موسكو تأتي في سياق ما تسميه حرب بالوكالة تدار من خلف الستار، وتُستخدم فيها أوكرانيا كساحة صراع مع الغرب.

 

من وجهة النظر الروسية

تعتبر موسكو أن هذه الزيارات لا تحمل أي مضمون حقيقي نحو التسوية السياسية، بل تُوظف لرفع المعنويات الأوكرانية، وإيصال رسائل للداخل الأوروبي بأن هناك تضامنا متماسكاً، في حين تعكس في حقيقتها حالة من الإنقسام والتباين داخل الاتحاد الأوروبي.

 

أما الحديث عن وقف إطلاق نار لمدة 30 يوماً دون شروط، فتراه القيادة الروسية محاولة لمنح الجيش الأوكراني الفرصة للإلتقاط الأنفاس وإعادة التموضع وتزويد الجبهات بالسلاح والجنود الجدد، وكذلك الحديث عن وقف إطلاق نار دائم دون شروط، فتراه محاولة لتجميد الصراع عند خطوط تماس لا ترضيها استراتيجياً. وهي لذلك ترفض أي مبادرة لا تراعي واقع سيطرتها الميدانية أو لا تقدم ضمانات بانسحاب الناتو من المجال الحيوي الروسي.

 

وفي المقابل، تبعث موسكو برسائل متعددة -سياسية وعسكرية- مفادها أنها ماضية في عمليتها العسكرية، وأنها تحتفظ بكامل حقها في الدفاع عن مصالحها السيادية ويأتي ذلك متوازياً مع خطاب إعلامي روسي يركز على هشاشة الموقف الأوروبي، وتآكل قدرته على التحمل الاقتصادي .. والسياسي.  

 

ومن وجهة النظر الأوكرانية

ترى كييف أن هذه الزيارات تأتي في وقت حساس، حيث يسود شعور عام بأن وتيرة الدعم الغربي بدأت تتراجع. لذلك فهي تعول على الزيارات لإعادة تحفيز الرأي العام الأوروبي، وتذكير الحلفاء بضرورة الاستمرار في تقديم الدعم المالي والعسكري.

 

سياسياً، تعتبر الحكومة الأوكرانية أن أي حديث عن وقف إطلاق النار يجب أن يكون مشروطاً بانسحاب روسي وضمانات أمنية، لا بمجرد تجميد الوضع الراهن. فبالنسبة لأوكرانيا، القبول بحل وسط الآن هو بمثابة اعتراف عملي بخسارة الحرب.

 

من وجهة النظر الأوروبية

يشير الواقع الموضوعي إلى أن الموقف الأوروبي يتباين بين جناحين: أحدهما شرقي أوروبي متشدد يُصر على دعم أوكرانيا حتى النصر، وتتزعمه بولندا ودول البلطيق الصغيرة. وجناح أخر غربي، تمثله باريس وبرلين وبودابست، وعلى الرغم من التصريحات الإعلامية لباريس وبرلين، إلا أن هذا الجناح بات يعبر عن إرهاق واضح من طول أمد الحرب. وهذا الإنقسام ينعكس في طبيعة الزيارات إلى كييف، فمنها ما يُراد به التأكيد على الإلتزام، ومنها ما يحاول تحفيز كييف على التفكير في تسوية واقعية.

 وفي هذا السياق يأتي إعلان الحكومة البريطانية مؤخراً عن وجود خطة طوارئ سرية تحسُباً لمواجهة هجوم روسي محتمل على أراضيها، وهو ما أثار جدلاً كبيراً في العواصم الغربية حول ما إذا كانت روسيا تفكر فعلا في التوسع العسكري باتجاه دول مثل ألمانيا أو المملكة المتحدة. 

وهنا بالطبع تبرز لدي أي مراقب ومتابع تساؤلات مشروعة، هل هذا السيناريو واقعي فعلاً؟ وهل تمتلك روسيا القدرة، والأهم من ذلك الرغبة في فتح جبهة مباشرة ضد دول نووية، كبريطانيا، فضلا عن كونها تنتمي إلى حلف الناتو؟ 

أم أن الحديث الدائر عن هجوم روسي وشيك يدخل في إطار المبالغات والمزايدات السياسية والدعائية؟

وبوصفي باحثا متخصصا في العلاقات الدولية ومقيما في موسكو، اتابع عن قرب الخطاب الروسي الرسمي، وكذلك النقاشات الفكرية والإعلامية الجارية هنا بشكل يومي وعن كثب وباهتمام شديد. 

ويمكنني القول بثقة أن سيناريو هجوم روسي مباشر على أراضي بريطانيا أو ألمانيا ليس فقط بعيدا عن الواقع، بل مستبعدا استراتيجيا أيضاً، وهو غير مدرج، بحسب فهمي، ضمن أولويات القيادة الروسية، على الأقل في المرحلة الحالية.

 

من الناحية العسكرية، نعم صحيح أن روسيا دولة كبرى وتمتلك قدرات تسليحية ضخمة، وأثبتت معارك أوكرانيا الممتدة لأكثر من ثلاث سنوات ذلك، كما أثبتت قدرة السلاح الروسي التقليدي على التصدي الفعال لكل أسلحة دول الناتو على اختلافها وتنوعها داخل ساحات المعارك في أوكرانيا، بل ومؤخرا في كورسك الروسية.

لكن حقيقة تحول الصراع في أوكرانيا في الوقت الراهن إلى صراع معقد وممتد، تجعلنا نقر انه يستنزف قدرا كبيرا من الموارد البشرية والإقتصادية واللوجستية. حتى مع التكيف الذي أظهرته موسكو مع هذا الصراع. لذلك اعتقد ان الدخول في مواجهة مباشرة مع دول كبرى في الناتو مثل بريطانيا أو ألمانيا سيكون أقرب إلى المغامرة غير المحسوبة، بل وسيعتبر بمثابة تحد مفتوح لمنظومة الأمن الجماعي الغربية، وقد يؤدي إلى صدام نووي، وهو ما تدركه موسكو جيدا، ويحاول بوتين، بحسب فهمي لعقليته، تجنبه على مدى السنوات الثلاث الماضية بالرغم من الاستفزازات الغربية المتكررة في أوكرانيا.  

أما من حيث العقيدة العسكرية الروسية، فهي تركز بشكل واضح على حماية المجال الحيوي المحيط بروسيا، ومواجهة ما تعتبره تمدداً غير مشروع لحلف الناتو شرقاً، خصوصا مساعي ضم أوكرانيا وجورجيا ومناطق من القوقاز. روسيا لا تنظر إلى الدول الأوروبية باعتبارها أهدافا لهجوم عسكري مباشر، وإن كان بعض العسكريين الروس أو من يعمل في البروبوغاندا الروسية يطالب بذلك، وهو ما اعتبره لا يتجاوز إطار المزايدات الإعلامية، بل ترى في الدول الغربية خصوما استراتيجيين يجب إحتوائهم وردعهم، لا مواجهتهم وجها لوجه.

 

وإذا نظرنا إلى الخطاب السياسي الرسمي الصادر من الكرملين، سنجد تركيزاً دائما على أن روسيا لا تسعى لمواجهة الغرب عسكرياً، إذا لم تُضطر وتُدفع إلى ذلك مجبرة، لأنها في هذه الحالة ستكون مستعدة لحماية مصالحها بكل الوسائل إذا إقتضى الأمر. وهذا النوع من الخطاب يعكس فلسفة الردع وليس الهجوم. وحتى في المراكز البحثية الروسية الأكثر تشدداً، لا نجد دعوات جدية للهجوم على أراضي الناتو، بل تركيز على الصراع الجيوسياسي في مناطق النفوذ الرمادي مثل أوكرانيا.

إذاً، لماذا تصر بعض الأطراف في الغرب على الترويج لفكرة “الهجوم الروسي” الوشيك؟ في رأيي، هذه الرؤية تلعب دوراً في التعبئة السياسية والإعلامية داخل المجتمعات الغربية، وتستخدم بالأساس من أجل تبرير سياسات مثل زيادات ميزانيات الدفاع، وتعزيز الوجود العسكري في أوروبا الشرقية، وتوحيد الصف الداخلي في مواجهة خصم خارجي.

 

كذلك لا يمكننا إغفال البعد النفسي والإعلامي: تصوير روسيا كخطر دائم يخدم هدف الردع الوقائي، ويمنح الحكومات الغربية مبررات مقنعة امام الرأي العام لمواصلة دعم أوكرانيا مالياً وعسكرياً، رغم الأعباء الاقتصادية الناتجة عن الحرب.

والرد الروسي على هذه المزاعم غالبا ما يتسم بالسخرية الهادئة، فموسكو ترى أن الغرب هو من يصعد، ثم يحمل روسيا مسؤولية التوتر. وهناك في الأوساط الفكرية الروسية من يرى أن واشنطن وبعض العواصم الأوروبية يسعون إلى استنزاف روسيا، أو إبقائها مشغولة عسكرية وسياسياً في محيطها.. ولأطول مدة زمنية ممكنة.  

في النهاية أستطيع أن أقول بموضوعية، ومن موقع المتابع عن قرب، إن احتمال شن روسيا هجوما على بريطانيا أو ألمانيا ضعيف جداً، في المدى المنظور أو في الوقت الراهن على الأقل، ولا يتوافق مع أولوياتها ولا مع توازنات القوى العالمية. لكن هذا لا ينفي بالطبع إقرارنا بأن العلاقات بين روسيا والغرب قد دخلت بالفعل في مرحلة طويلة من التوتر والصراع المفتوح، حتى وإن ظل هذا الصراع بعيداً – حتى الآن – عن المواجهة العسكرية المباشرة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »