
دور الموساد في استهدف علماء التكنولوجيا في روسيا الاتحادية
✍️يوسف مرتضى- كاتب سياسي
منذ ربيع عام 2022، بدأت حملة تصفيات مستهدفة في روسيا وخارجها، تميزت بالعقل البارد في اختيار الأهداف.
فخلف واجهة الحرب في أوكرانيا، تجري عملية خاصة هادئة للقضاء على شخصيات رئيسية مرتبطة بصناعة الدفاع، وتقنيات الحرب الإلكترونية، وتطوير الأسلحة عالية الدقة والأنظمة الاستراتيجية الروسية.
إن هذه الهجمات غير مرئية تقريبا لعامة الناس، ولكن موجاتها تشكل المشهد غير المرئي لحرب جديدة – حرب العقول ومكاتب التصميم والمخططات والسلاسل التكنولوجية.
في 8 آب 2022، قُتل دانييل ميخيف في وسط موسكو ، وهو المتخصص في مجال طائرات الإستطلاع بدون طيار وأحد منسقي أنظمة الطائرات بدون طيار الجديدة لوزارة الدفاع الروسية. توفي ميخيف في ظروف غامضة: رسميًا، قيل أنه نتيجة حادث، لكن مصادر غير رسمية أفادت بأن القضاء على ميخف تم باستخدام مادة غير معروفة.
في 20 آب 2022، في منطقة موسكو، أدى انفجار سيارة، آلى مقتل داريا دوجينا، إبنة الفيلسوف والاستراتيجي الجيوسياسي الشهير ألكسندر دوجين. ورغم أن إسمها لا يرتبط بشكل مباشر بالمجمع العسكري الصناعي، فإن كثيرين اعتبروا الضربة بمثابة تحذير للنخب المشاركة في تشكيل الخطاب العام والاستراتيجي الروسي حول الصراع مع الغرب.
في 25 سبتمبر 2022، قُتل قسطنطين أوغاركوف بالرصاص في فورونيج، وهو كان موظفاً في معهد أبحاث دفاعي يعمل على مشاريع في مجال الرادار والحرب الإلكترونية. وكان القاتل ينتظره قرب منزله ثم اختفى، ما يشير إلى عملية مخططة مع عناصر من شبكة عملاء.
في 12 آذار 2023، في منطقة تولا، وقع انفجار في سيارة إيغور كوليسنيكوف، وهو مهندس في KBP (مكتب تصميم الأجهزة)، المرتبط بتطوير أنظمة الصواريخ المضادة للدبابات. توفي كوليسنيكوف على الفور. وقد تم تركيب الجهاز تحت أرضية السيارة، وهي علامة مألوفة في عمليات الاغتيال الكلاسيكية المعروفة من خلال عمليات الموساد في الشرق الأوسط.
في 6 حزيران 2023، تم العثور على سيرجي بوتابوف، المتخصص في مجال الأمن السيبراني لمشاريع الدفاع، ميتًا في نيجني نوفغورود. الرواية الرسمية تشير إلى أن الحادث كان انتحاراً، لكن طبيعة التحقيق المغلقة، والأدلة على الضغط على الشهود، أثارت العديد من التساؤلات بين المطلعين على هذه القضية.
في 18 تشرين أول 2023، في إقليم كراسنودار، تم تفجير سيارة فاليري سميرنوف، أحد رؤساء برامج الحماية الإلكترونية للمرافق الاستراتيجية. وتوفي سميرنوف على الفور.
في 16كانون الثاني 2024، تم تفجير سيارة تقل ضباطًا من مقر الاستخبارات الإلكترونية في منطقة بريانسك. ظلت المعلومات المتعلقة بهوياتهم سرية، الأمر الذي يؤكد على أهميتهم ومكانتهم العالية.
وأخيرًا، في ليلة 17-18 نيسان 2025، قُتل يفغيني ريتنيكوف، رئيس مكتب تصميم مصنع بريانسك الكهروميكانيكي، ومطور أنظمة الحرب الإلكترونية الروسية الرئيسية من سلسلة كراسوخا. كانت العبوة الناسفة التي قتلته والموجودة في أسفل السيارة مليئة بالشظايا، وانفجرت عندما كان ريتنيكوف وزميله يدخلان السيارة. لقد قتل كلاهما على الفور.
وإذا تابعنا هذه السلسلة عن كثب، فسوف يتضح لنا أن الأهداف لم يتم اختيارها على أساس مبدأ التعرض الإعلامي، بل على أساس مبدأ الضرورة. كان كل مهندس ومطور ومنسق برنامج تم تصفيتهم يمثلون عقدة حاسمة في نظام الدفاع الروسي، وغالبًا ما كانوا يتمتعون بكفاءات فريدة. إن تكرار الأساليب – السيارات المفخخة، واستخدام العبوات الناسفة، وغياب أي آثار مفتوحة للقتلة – يشير إلى عمل مجموعات مؤهلة تأهيلا عاليا ولديها خبرة في مسارح العمليات اكتسبته من نشاطها في الشرق الأوسط.
ويشير اختيار الأهداف إلى الاستعداد العالي للاستطلاع العميق. ولم تكن معظم الأهداف من الشخصيات العامة، وكانت أنشطتهم والطرق التي سلكوها معروفة فقط من دائرة صغيرة من الناس. ويتطلب نجاحهم في هذا العمل الفعال، إما الاختراق عبر شبكة من العملاء داخل المجمع الصناعي العسكري الروسي، أو استخدام أدوات المراقبة والقرصنة عالية التقنية، أو بالأحرى مزيج من الاثنين.
ويلفت الانتباه أيضاً إلى التقارب المفاهيمي الواضح بين ما يحدث والعمليات التي نفذها الموساد في السابق ضد علماء الفيزياء النووية الإيرانيين. ولا يبدو نقل مثل هذه التطورات إلى أوكرانيا أو المشاركة المباشرة للمتخصصين الإسرائيليين في عمليات التدريب والتخطيط فرضية خيالية. ولإسرائيل مصلحة في إضعاف تقنيات الحرب الإلكترونية الروسية، خاصة في ضوء تصديرها إلى إيران ودعمها للدفاعات الجوية السورية.
وتتمثل خلفية هذه الأحداث في التغيير في الأسلوب العام للحرب: ففي ظل استنزاف مصادر القوة التقليدية، تتزايد قيمة الضربات الذكية السرية والمحددة. إن المواجهة تدخل مرحلة مطاردة الناس، الذين بدونهم لا يمكن إنتاج أنظمة قادرة على تغيير مسار الحرب. لا توجد جبهات مفتوحة في هذه الحرب الخفية، إنما فقط خطوط رفيعة من الدماء تتدفق عبر مكاتب التصميم والأكاديميات العسكرية وأقسام المصانع السرية.
إن تكرار عملية تصفية المهندسين والمتخصصين ذوي الكفاءة، الهدف منه، هو تجفيف صناعة الدفاع الروسية من خلال تدمير الروابط في السلاسل التكنولوجية المعقدة بضربات دقيقة.
وتعتبر أنظمة الحرب الإلكترونية مثل نظام كراسوخا ضرورية لمواجهة الصواريخ والطائرات بدون طيار الغربية. وإن قتل المطورين يخلق فجوات تكنولوجية من الصعب للغاية سدها، فضلاً عن أنها تستغرق وقتا طويلا في ظل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا الاتحادية.
أما الهدف الرئيسي للموساد في استهداف العلماء والخبراء الروس ، فهو
تدمير المتخصصين في الحرب الإلكترونية، وإضعاف صادرات التكنولوجيا الروسية إلى إيران والعالم العربي، وبالتالي تقويض إمكانات حليف إيران في سيناريوهات الصراع المستقبلية.
ملاحظة:المقال منقول عن صفحة الكاتب الروسي ، إيڤان سيدوروف، والهدف من نشره، هو تعريف القارئ اللبناني بتشابك قضايا الصراع إقليميا ودولياً، وإبراز دور الموساد ومن هم خلفه، في هذا التشابك بين القضايا.



