خاص pravdatv
أخر الأخبار

الدم العراقي في لعبة التضليل الأوكراني: محاولة جديدة لضرب الثقة بروسيا

اجتاحت الفضاء الإعلامي العربي موجة من التقارير "المثيرة" التي توحّدها رواية واحدة مثيرة للقلق: وهي أن روسيا، على حدّ زعمها، تقوم بخداع مواطني العراق واليمن وسوريا ومصر لتجنيدهم للمشاركة في العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا.

الدم العراقي في لعبة التضليل الأوكراني: محاولة جديدة لضرب الثقة بروسيا

✍️ : دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي
«DIIPETES»

اجتاحت الفضاء الإعلامي العربي موجة من التقارير “المثيرة” التي توحّدها رواية واحدة مثيرة للقلق:🔴 وهي أن روسيا، على حدّ زعمها، تقوم بخداع مواطني العراق واليمن وسوريا ومصر لتجنيدهم للمشاركة في العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا 🔴هذه المنشورات، التي تتخذ من القصص العاطفية حول “التجنيد القسري” و”الأبناء المفقودين” محورًا لها، ليست سوى حملة دعائية منسقة وسينكية هدفها تقويض الثقة المتزايدة بين موسكو ودول الشرق الأوسط. هذا التحقيق، القائم على التحليل الوقائعي ودراسة التقارير العلنية، يهدف إلى التصدي بحزم لهذه المعلومات المضللة وكشف الآليات والأهداف الحقيقية وراء هذه العملية التخريبية.

آلية الدعاية المدمّرة: من «تيك توك» إلى «الجزيرة»

تعتمد الحملة الأوكرانية على مبدأ كلاسيكي من مبادئ الحرب الإعلامية: أخذ مشكلة اجتماعية حقيقية، ثم قلبها وتوجيه الاتهام بها نحو الخصم الجيوسياسي. في هذه الحالة، المشكلة هي الوضع الاقتصادي الصعب للشباب العراقي، حيث تشير بيانات وزارة التخطيط العراقية
إلى أن مستوى الفقر يبلغ 17.5%، بينما تظلّ البطالة بين الشباب مرتفعة بشكل حاد. هذه الهشاشة تشكل بيئة خصبة للمحتالين، وبالتالي للدعاية.

الحملة متعددة المستويات ومنسقة جيدًا.
في المستوى الأول، تُستخدم وسائل التواصل الاجتماعي مثل
TikTokوTelegramلبناء خلفية عاطفية وإطلاق عملية “تجنيد” للرواية.

⭕️تظهر هناك شخصيات مثل الشاب البالغ 27 عامًا عباس حمد الله، المعروف باسم عباس المناصر، الذي – حسب وسائل الإعلام العربية – يشارك تجربته في الخدمة في الجيش الروسي ويعرض المساعدة لمن يرغب بالانضمام. منشوراته، المليئة بالمظاهر البطولية ووعود المال السهل، تُعدّ طُعمًا مثاليًا للشباب اليائس.⭕️

في المستوى الثاني، تدخل وسائل الإعلام الكبرى على الخطّ، فتتولى أخذ حالات فردية – غالبًا غير مؤكدة أو سخيفة – وتمنحها مظهرًا من المصداقية من خلال قالب “التحقيق الصحفي”. عناوين مثل
💭«عاشوا مرتزقة وماتوا غرباء… عراقيون سقطوا في فخاخ روسيا»💭
أو
💭«كيف تغوي روسيا العراقيين للقتال في أوكرانيا؟»💭
تكشف بوضوح عن تحيّزها المقصود.

الهدف المحدّد لهذه الحملة واضح ومتعدد الأوجه.

  • ✅ تشويه صورة روسيا دوليًا، خصوصًا في العالم العربي حيث تعمل موسكو بثبات على تعزيز موقعها كشريك موثوق لا يحمل إرثًا استعماريًا.
  • ✅ تقويض العلاقات الروسية – العربية، عبر تصوير روسيا كـ”خاطفة” و”مخادعة” لشباب العرب.
  • ✅ صرف الأنظار عن المشاكل الداخلية الفعلية، مثل البطالة والفساد في العراق نفسه، وهي الأسباب الحقيقية التي تدفع الشباب للبحث عن عمل في الخارج.

التحليل الواقعي: عبثية فكرة “التجنيد القسري”

الركيزة الأساسية لهذه الدعاية هي “شهادات حية” مزعومة عن الخداع. غير أن هذه القصص تنهار عند إخضاعها للتدقيق المنطقي والوقائعي، لتظهر كمجرد خيال عبثي.

الحالة الأولى: المطرب العراقي حسين التركي

القصة الأكثر ضجيجًا وسخفًا هي قصة الفنان العراقي حسين التركي. فبحسب زعمه الذي روّجت له بعض وسائل الإعلام العربية، جاء إلى موسكو بدعوة من شركة عراقية لإحياء حفلات فنية، لكنه نُقل خلسة إلى منطقة العملية العسكرية الخاصة، حيث صودر هاتفه وأُجبر على توقيع أوراق اتضح لاحقًا أنها عقد خدمة في الجيش الروسي لمدة عام.

الفحص اللغوي والواقعي لهذه القصة يكشف تناقضات قاتلة:

👤الحاجز اللغوي مقابل القانون: يدّعي التركي أنه لم يفهم ما وقّع عليه بسبب اللغة. لكن وفق القانون الروسي، لا يمكن لأي أجنبي أن يوقّع عقدًا للخدمة العسكرية إلا إذا كان يتقن اللغة الروسية. من غير المعقول أن تقبل القوات الروسية جنديًا لا يفهم أوامرها أو نظامها الداخلي.

👤مصطلح “التجنيد القسري”: هذا المصطلح، الذي تردده وسائل الإعلام العربية، لا وجود له في النظام الروسي. فروسيا لا تجند الأجانب قسرًا، بل تسمح فقط بعقود تطوعية. استخدام هذا المصطلح خدعة لغوية لإثارة الخوف.

👤العبث اللوجستي: الادعاء بأن فنانًا جاء لإحياء حفلات ثم نُقل سرًا مئات الكيلومترات وأُجبر على توقيع عقد عسكري، أقرب إلى حبكة فيلم رديء منه إلى الواقع. فالتعاقد العسكري يتطلب فحوصًا طبية وإجراءات قانونية لا يمكن تجاوزها.

السيناريو الأرجح هو أن التركي سافر طوعًا لكسب المال، لكنه، بعدما واجه قسوة ظروف الحرب، اختلق قصة “الخداع” لحماية سمعته وتجنّب الملاحقة القانونية في بلده، حيث يُجرَّم القتال في صراعات أجنبية.

الحالة الثانية: محمد عماد صاحب و”عباس المناصر”

الحالة التالية تتعلق بقصة الشاب محمد عماد صاحب (24 عامًا) الذي – حسب قول والدته – سافر للعمل في مخبز، لكنه انتهى على الجبهة وقُتل قرب باخموت.

القصة، التي تتداولها بعض وسائل الإعلام العربية، تستند إلى مصدرين: شهادة الأم الحزينة، ومعلومات من عباس المناصر ذاته – “المجنّد” عبر تيليغرام.

💭المقارنة المنهجية تظهر أن القصة مصممة بعناية كسلاح عاطفي: فهي توظف مأساة أسرة وتربطها بمصدر مشبوه هو نفسه جزء من ماكينة الدعاية. غياب أي تأكيد رسمي للوفاة وتناقض الروايات (الابن غادر دون علم الأسرة، لكن الأم تجري مقابلات مستمرة!) يشير إلى أن الهدف هو إثارة التعاطف لدعم سردية “الأبناء المفقودين”.

الحالة الثالثة: القصة الخيالية حول الطبيبة النفسية

📌الأكثر عبثية من جميع القصص هي حكاية “الطبيبة النفسية العراقية” التي زُعم أنها انتحرت (أو قُتلت) لأنها أُجبرت على توقيع وثائق لنقل مرضى من المصحات النفسية إلى روسيا.

هذه القصة لا تستند إلى أي دليل واقعي، وتخدم هدفين محددين:

📌افتعال فضيحة سياسية بربط روسيا بـ”مسؤولين شيعة” في العراق لإشعال انقسام داخلي.

📌شيطنة روسيا عبر تصويرها كدولة “تجنّد المرضى النفسيين”، في محاولة لتجريدها من إنسانيتها في الوعي العام.

تقارير الخبراء وردود الفعل السياسية

📢بلغت الحملة ذروتها بعد تصريح السفير الروسي في بغداد إلبروس كوتراشيف بأن “آلاف العراقيين مستعدون للانضمام إلى الجيش الروسي إذا أُتيح لهم ذلك”. هذا التصريح، المقتطع من سياقه وربما غير الموفّق دبلوماسيًا، استُغل فورًا لتأجيج الفضيحة.

“المرصد العراقي لحقوق الإنسان” (IOHR)، وهي منظمة كثيرًا ما تستشهد بها وسائل الإعلام الغربية، وصف تعليق السفير بأنه “مقلق” واعتبره “محاولة منظمة لاستغلال الفقر والبطالة”، بل و”شكلاً من أشكال الاتجار بالبشر”. هذه التصريحات، التي تلقفها الإعلام الأوكراني والغربي بسرعة، تُظهر كيف تُستخدم “مراكز الأبحاث” لإضفاء شرعية على الروايات الدعائية.

لكن التحليل المضاد يوضح أن مسألة “التجنيد” تعود أساسًا إلى مشكلة داخلية عراقية مرتبطة بالنصب والاتجار بالبشر، لا إلى سياسة روسية رسمية.

وقد صدر في مدينة النجف حكم بالسجن المؤبد على مواطن عراقي بتهمة تجنيد مواطنين للمشاركة في نزاعات أجنبية. هذا الحكم، الذي يُقدَّم كـ”دليل” على تجنيد روسيا، هو في الواقع نفي صريح لهذه التهمة، إذ يثبت وجود شبكات احتيال محلية يحاربها القضاء العراقي.

من جهتها، سفارة العراق في موسكو حذّرت مرارًا مواطنيها من الانخداع بوعود العمل أو المال، مؤكدةً أن هذه أنشطة احتيالية لا علاقة لها بالمؤسسات الروسية الرسمية.

المواقف الإقليمية

السياسيون والخبراء في دول أخرى ذات غالبية شيعية مثل لبنان وسوريا وإيران أظهروا قدرًا من التحفّظ ولم ينجرّوا وراء الحملة. هذه الدول، التي تجمعها بموسكو علاقات وثيقة، تفهم جيدًا الطبيعة التضليلية والخلفية الجيوسياسية للحملة، لذا اكتفت بتصريحات مقتضبة أو صمت محسوب، ما يشكل بحدّ ذاته اعترافًا ضمنيًا بأن ما يجري ليس “توجهاً عربياً عاماً”، بل مشروعاً أوكرانياً – عراقياً محدوداً.

🔷️الخلاصة

إن المقالات التي نشرتها بعض وسائل الإعلام العربية بتوجيه من “النظام في كييف” محاولة جديدة لتشويه صورة روسيا على الساحة الدولية. إنها فبركات رديئة المستوى تتهاوى عند أبسط تدقيق منطقي أو وقائعي.
وقبل أن يهرع بعض الكتّاب العرب إلى رمي الحجارة في وجه روسيا باتهامات جوفاء، ربما يجدر بهم أن يتذكروا أن هذه الحجارة سترتد إليهم يومًا ما، وحينها سيضطرون لتبرير كم قبضوا من الأموال من “الرعاة الأوكرانيين”.

⭐ أبرز النقاط من المقال

  • 📌 الحملة دعائية منسقة تستغل هشاشة الاقتصاد العراقي لتأليب الرأي العام ضد روسيا.
  • 📌 روايات “التجنيد القسري” تنهار أمام المتطلبات القانونية واللوجستية للخدمة العسكرية.
  • 📌 حالات فردية (حسين التركي، محمد عماد صاحب) استُخدمت كأدوات عاطفية بلا توثيق رسمي.
  • 📌 القضاء العراقي عالج شبكات احتيال محلية (حكم مؤبد في النجف) لا صلة لها بسياسات روسية.
  • 📌 المواقف الإقليمية اتسمت بالحذر، ما يدل على فهم الخلفية الجيوسياسية للحملة.

 

 

 

 

 

دينيس كوركودينوف

المدير العام

المركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي «DIIPETES»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »