
في مدينة دانتسينغ البولندية ولد الكاتب الألماني غونتر غراس عام 1927
الروائي الألماني غونتر غراس حائز نوبل للآداب العام 1999، والذي يعتبر أحد الأدباء متعددي المواهب، فهو روائي وقاص وشاعر ومؤلّف مسرحيّ ورسّام ونحّات وخطيب سياسيّ، وهو الاشتراكي الذي مرّ في طفولته بالنازية، وشارك في الحرب العالمية الثانية.
برز اسم غراس بعد صدور روايته الأولى «طبل الصفيح» (1959 ــ نقلت إلى الشاشة الكبيرة بتوقيع المخرج فولكر شلوندورف عام 1979) التي كانت الجزء الأول مما اصطُلح على تسميتها «ثلاثيّة داينتسيغ» وهي: «طبل الصفيح» (1959)، «القط والفأر» (1961)، «أعوام الكلب» (1963). آنذاك، كان قرع الطبلة تلك بهدف إزعاج العقليّة الألمانيّة السائدة بعد الحرب، ولفت الانتباه إلى الجانب المُتجاهَل والمخفيّ من التاريخ الألمانيّ: الحقبة النازيّة التي رسمت فعلياً تاريخ ألمانيا بين الحربين العالميّتين. أثار صدور الرواية الأولى جدلاً واسعاً في ألمانيا، وصل إلى حدّ منع الرواية وإقصائها ومهاجمة كاتبها بذريعة كونها غير اخلاقية. ولكنّ السبب الفعليّ كان أنّ هذه الثلاثيّة الروائيّة كانت أول مواجهة شديدة الصراحة بشأن الماضي الألمانيّ الذي كان التعامل معه مقتصراً على التجاهل أو التناسي. استُعيدت هذه الجلبة بعد اعتراف غراس قبل صدور سيرته الذاتية «تقشير البصل» (2006) بأنّه خدم في قوات SS النازيّة في الحرب العالميّة الثانية التي كانت نخبة القوّة الأمنيّة التابعة لحزب هتلر. انتهزت شخصيّات ألمانيّة سياسيّة وثقافيّة كثيرة الفرصة لمعاودة مهاجمة غراس، لكن الآن بوصفه «منافقاً»، ووصلت إلى حد المطالبة بسحب جائزة «نوبل» منه التي نالها عام 1999.
كلما كان هناك حديث عن إبادة الفئران ، تم إبادة الآخرين ، الذين لم يكونوا فئران..
في موازاة أعماله الروائية وشهرتها، أحدثت مواقف غونتر غراس السياسية صخباً عالمياً، أبرزها تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. الروائي الممنوع من دخول «إسرائيل» انتقد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش وعارض الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003. أما مواقفه المباشرة من الاحتلال الإسرائيلي، فكانت من خلال قصيدة «بطل من أيامنا»، امتدح فيها الخبير النووي موردخاي فعنونو، الذي كشف تفاصيل البرنامج النووي الإسرائيلي السري عام 1986. قصيدة دفعت «الرابطة العبرية للكتاب في إسرائيل»، إلى دعوة المثقفين في العالم لمقاطعة غراس.
الراوية التي ستنناولها اليوم هي الفأرة الصادرة عام ١٩٨٦ ووقع الاختيار عليها نظرا لما تحاكي الواقع العالمي في ظل الحروب والتهديدات بالفناء البشري،

في أحلام غراس الذي يبدو أنه في مركبة فضائية تدور حول الأرض المدمرة ، تلفت الفأرة الناطقة الراوي على الأحداث التي أدت إلى تدمير البشرية ، واصبحت الأرض أرضا للفئران وتحت هيمنتهم وتم تشكيل حضارة جديدة قائمة على التضامن في عالم دمرته إزالة الغابات والتلوث والحرب النووية، عالم بلا جنس بشري.
يوجه غراس في روايته نقد لاذع لسباق التسلح الجنوني الذي كما يراه لا يقوم على اي منطق عقلي او على اي على اي مبرر او سبب منطقي، المشاهد الخيالية مليئة بالخوف والرعب بوصف يجسد الأحداث بشكل ملموس، والملفت أن الفأرة تظهر السخرية من الجنس البشري مع الكثير من الاستغراب لما وصلت إليها البشرية من فناء.
يجري في الرواية حوارات بين الفأرة والرواي التي تعيده إلى أحداث ماضية بقالب خيالي أدبي ممتع، هذه الفأرة القادمة من المستقبل تعيش في أحلام بطل رواية وتسرد له كافة الأحداث. لم تكن هذه الفأرة كنظيرتها من الفئران التي تعيش في عالمنا واختار الكاتب الحوار معها وعبرها لغاية تأكيدية على أن لم يبقى اي مخلوق على الأرض بسبب الدمار جراء الحروب الثلوث والاوبئة سوى الفئران لقدرتهم على التأقلم مع المتغيرات، إضافة إلى أنها متعمقة في كل الأفكار الفلسفية والرؤية.
هذه الرواية ابعد من سردية وأكثر من استشراف للمستقبل جاءت من باب تحذيري من قبل الكاتب غراس على وضع حد للهذه الهمجية التي تسود العالم ، ذكر في رواية في ما معناه ان
لأن الرجال
يقتلون الغابات
الحكايات الخيالية تهرب.لأن الرجال قتلوا الغابات ،
الحكايات الخرافية تهرول إلى المدن
وتنتهي بشكل سيء
الانسان هو الكائن الوحيد من بين كل الكائنات على الارض. الذي يمتلك القدرة على التدمير الذاتي وعلى التدمير الجماعي. بالاضافه على انه الكائن الاكثر انانية وبالتالي بامتلاك الانسان للانانية من جهة وبامتلاكه لادوات التدمير الجماعي من جهة أخرى، فذلك يشكل خطر ليس على نفسه وانما على كل العالم على كل كوكب الارض على كل الكائنات الحية الأخرى.
رحل غونتر غراس عن العالم بعمر ٨٧ سنة عام ٢٠١٥ تاركا لنا تاريخ رؤاي عريق ومميز وسهل ممتنع، والكثير الكثير من الرسائل التحذرية بأن زوال البشرية قادم ولا يكلف سوى كبسة زر نووي.
هذا المتمرد ليس متوقع او منجم إنما محلل انساني ويعرف جيدا ما قد تفعله السياسية الشرسة والاستبداد والهمجية، عبر رواية الفأرة بكل أحداث التي صورت حتى أن قبل الزوال البشري بدأت تختفي أماكن لعب الأطفال والغابات هذا التركيز على أدق التفاصيل ليس عبثي او حشو للأحداث إنما تأكيد على أن هذا الحدث لم يكن مفأجئ بل تدريجي الا ان الانسان لم تردعه التغييرات.
في رواية الكثير من التشبيهات والاستعارة وصور الأدبية العاطفية خاصة في وصف مشاهد الفناء البشري جاءت بعين غراس، الراحل عن العالم عن عمر ٨٦ في عام ٢٠١٥. كتب رائعته الفأرة قبل ٣٧ عاما من رحيله قبل أن يكون العالم شرسا ومتطورا إلى هذا الحد، غراس وصديقته الفأرة الناطقة الناجية الوحيدة وضعا خطة للسلام والبقاء الا ان الانظمة سياسي لا تقرأ الأدب!!!



