باقلامهم

بوتين-بريغوجن  مسرحية! أم انفجار فاحتواء؟

الكاتب والصحفي يوسف مرتضى

 

روسيا التي تعاني حصاراً اقتصادياً ومالياً غربياً، وتخوض لسنة ونصف السنة غمار حرب استنزاف مرهقة في مواجهة الآلة العسكرية لحلف شمال الأطلسي في الميدان الأوكراني، حبس شعبها أنفاسه، وأخلى شوارع العاصمة موسكو وعدة مدن آخرى، خاصة روستوف وفارونج اللتان سيطرت عليهما ميليشيا فاغنر بزعامة يفغيني بريغوجن. حيث لاحت في الأفق إشارات تصادم عسكري شبه محتّمة بين مرتزقة بريغوجن الذي هدد بالعلن وزير الدفاع الروسي شيوغو ورئيس أركانه، ودفع بوحدة قتالية من قواته قوامها خمسة آلاف مقاتل باتجاه موسكو بنية اعتقالهما. وكان لافتاً بتصريحاته تأكيد ولائه للرئيس بوتن ولروسيا، وحدد خصومته بوزير الدفاع ورئيس أركانه حصراً، ورغم العلاقة الخاصة والمميزية التي تجمعه ببريغوجين، أقدم بوتين في ساعة متأخرة من ليل ٢٣-٢٤ حزيران نتيجة ما ساوره من قلق على مصير البلاد، إلى إعلان تجريم بريغوجن ووصف حركته بالتمرد العسكري وخيانة عظمى للشعب والوطن. ونظّم فيه ملفاً قضائياً جنائياً تصل عقوبته إلى ثلاثين سنة سجن.

الشعب الروسي بأجياله المختلفة يعرف تاريخه جيداً، وما عاشه من احتمال مواجهة بين قوات فاغنر والجيش الروسي خلال ٢٤ ساعة بين يومي ٢٣-٢٤ حزيران ٢٠٢٣، استحضر في ذاكرتهم،ويلات ومآسي الحرب الأهلية التي اندلعت في روسيا إثر ثورة أكتوبر عام ١٩١٧، بين جيش البلاشفة “الأحمر”، وجيش القيصر “الأبيض” والتي امتدت لسنوات ،وذهب ضحيتها الملايين من القتلى.

وفي خارج روسيا، انشغلت دوائر القرار في الدول الصديقة والحليفة لروسيا وكذلك الدول المعادية للإدارة الروسية أو المتنافسة معها، في متابعة الحدث المفاجئ المتمثّل بتمرّد القوة القتالية التي تحتل موقعاً متميزاً في العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، مع انتظارات متناقضة للصديق والعدو لمسار هذا التمرد ونتيجته على مستقبل الدور الروسي والرئيس فلاديمير بوتن فيه.

 وبدون أدنى شك كانت النتيجة التي انتهت إليها حالة التمرد بعد ساعات على انطلاقها، صادمة للعدو الميداني الأوكراني، ومفاجئة مع التباسات في التفسير لخصوم القيادة الروسية، وتركت ارتياحاً عند حلفاء روسيا وأصدقائها ، وترحيباً شعبياً روسياً عارماً، تحوّل إلى تجمعات احتفالية، حيث نجت روسيا من كارثة حرب أهلية كان يمكن أن تؤدي إلى تفكيك الإتحاد الروسي، وهو هدف الغرب وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية، الذي طالما حدّر منه بوتين.

العديد من المراقبين، قرأوا بنتيجة وساطة رئيس بلاروسيا لوكاشينكو بين بوتين وبريغوجين ، احتمال أن يكون تمرد هذا الأخير مسرحية متفق عليها مسبقاً مع الرئيس الروسي. ومع استبعادي لمثل هذا الاحتمال وفق معطيات مستقاة من مصادر روسية مطلّلعة، لا بد من الإقرار بحنكة وحكمة الرئيس بوتين الذي غلّب مصلحة روسيا وتجنيبها كارثة حرب أهلية على عنفوانه وهيبته الشخصية، التي بدون شك أصابها تمرّد صديقه بريغوجين بضربة موجعة نالت من مقام القيصر، وهزت الثقة بالنظام الروسي وبوحدة مؤسسته العسكرية.

لماذا أقدم بريغوجن على التمرد في هذه اللحظة، ولماذا اختار بوتين المهادنة والتنازل على الانتقام والتصادم؟

إن بريغوجن الذي تربطه علاقة صداقة متينة وحميمة مع بوتين تمتد لعشرين سنة تقريباً، وهو المعروف “بطباخ بوتين”، حيث وثق فيه هذا الأخير بتأمين الطعام إلى الكرملين ، وساعده مادياً في عقود تأمين تموين للجيش وعدة مؤسسات روسية ومشاريع بناء وغيرها، ما مكّنه من تجميع ثروة ضخمة. ونتيجة قربه منه وتفرّده بخصائص مميزية كلّفه بوتين سنة ٢٠١٤بتأسيس مجموعة فاغنر من المرتزقة من خريجي السجون للقيام بعمليات خاصة لمصلحة بوتين والدولة الروسية، دون أن تتحمل السلطات الرسمية الروسية تبعاتها. بدأت فاغنر أولى نشاطاتها في شبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤ عندما ضمها بوتين إلى روسيا، وفي العام ٢٠١٦ نشطت فاغنر في الميدان السوري ثم الليبي ، وفي السودان وأفريقيا الوسطى وأميركا اللاتينية، حيث يكلّفها بوتين بعمليات أمنية وعسكرية ومالية واقتصادية. لذلك يمكن وصف بريغوجن بالصندوق الأسود بالنسبة لبوتين. وهذا مصدر حذر بوتين من فلتان المتمرد من يده.

منذ العام ٢٠١٤ بدأ بريغوجن يحتك بسرغي شيوغو الذي كان بوتين قد عينه وزيراً للدفاع منذ العام ٢٠١٢، وهو الذي نفّذ عملية ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، وتعتبر هذه العملية إحدى إنجازاته. سرغيي شيوغو ليس عسكرياً ، هو المهندس المدني الذي شعل مناصب حكومية قبل عهد بوتين، حيث خدم في عهد يلتسين وتولى منصب وزير الدفاع المدني وهيئة الإغاثة من العام ١٩٩٤ حتي العام ٢٠١٢ . ومن موقعه ذاك نشأت بينه وبين بوتين علاقة صداقة وثقة متبادلة، ولعب دوراً كبيراً في تحديث الجيش الروسي وأسلحته وذخائره. ومن أهم إنجازاته، ضم القرم وتثبيت سلطة الأسد في سوريا بدأً من العام ٢٠١٥.

كانت الحساسية الشخصية بين صديقي بوتين، شيوغو وبريغوجن، تتعاظم مع الوقت، إلى أن انفجرت إثر العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا. إن تعثّر عملية الجيش الروسي في المرحلة الأولى بقيادة شيوغو ورئيس أركانه غيراسيموف وتكبده الخسائر البشرية والمادية الضخمة وتراجعه في الميدان، دفع بوتين إلى الاستعانة بفاغنر التي بلت بلاءً مهماً في الميدان، تحديداً في باخموت، وحظيت نتيجة ذلك بتأييد شعبي روسي واسع، واكتسبت حتى في أوساط الجيش مكانة وتقديراً كبيرين.

بعد تلك الإنجازت لفاغنر تقول أوساط بريغوجن ، بدأ شيوغو ورئيس أركانه بتقليص توريد الذخائر والأسلحة لقواته، وارادا تجيير انجازات فاغنر لمصلحتهما، حيث طلب شيوغو من عناصر فاغنر تنظيم عقود تعاقد مع الجيش في خطوة تؤدي إلى دمجها عملياً في المؤسسة العسكرية الرسمية الأمر الذي سوف يؤدي إلى إنهاء دور بريغوجين. رفض هذ الأخير طلب قيادة الجيش، ولمدة شهرين لم يقدم عناصر فاغنر على الاستجابة لطلب شيوغو. وكانت قوات فاغنر في هذا الوقت خارج العمليات العسكرية. 

توسّط بريغوجن مع بوتين لثني شيوغو وغيراسيموف عن قرارهما، لكنه لم يفلح ، فانفجر الموقف على الأثر ليل ٢٣حزيران، بإعلان بريغوجن تمرده العسكري في مواجهة شيوغو ورئيس أركانه.

ما الذي دفع بوتين القيصر إلى التراجع؟

وعلى الرغم من الموقف المحرج الذي تسبب به تمرد بريغوجن ،كان بوتين مضطراً على ما يبدو إلى تجرّع كأس السم باللجوء إلى تسوية معه، مستعيناً بوساطة صديقهما المشترك رئيس بلاروسيا، بعدما وصله تقرير بأن وحدات بريغوجن القتالية المتوجهة إلى موسكو لم تواجه بأية مقاومة، وأن كتيبة المظليين المتموضعة في محافظة تولا قد انضمت إليه، وكان قبل ذلك قد أحتل مراكز القيادة الجنوبية للجيش الروسي في روستوف وفارونج دون أي مقاومة، وأسقطت قوات دفاعه الجوي طائرة شحن ومروحية عسكرية للجيش الروسي، وبالتالي المواجهة العسكرية مع فاغنر ستكون مكلفة جداً .

بدون أدنى شك خرج بريغوجن الذي يتمتع بشعبية روسية وازنة منتصراً ، وسوف يكون على ما يبدو وزير الدفاع شيوغو هو الخاسر، وهو الذي تدور حوله مع إدارته شكوكاً شعبية كبيرة بالفساد. وهيبة القيصر الروسي بوتين أصيبت بندوب كبيرة، وإن سيحفظ له الشعب الروسي موقفه الشجاع بعدم الذهاب إلى خيار المواجهة المكلف جداً.

بانتظار الفصل الأخير من نتيجة تمرد بريغوجن والعملية العسكرية الروسية الخاصة في الدمباس، وتداعيات ذلك على مستقبل روسيا ودورها، وعلى العلاقات الدولية ، ومستقبل النظام العالمي الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »