اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب دينيس كوركودينوف:قرغيزستان بين الداخل والخارج: انقلاب أُحبط وصراع نفوذ على حدود منظمة الأمن الجماعي

إن اعتقال 16 فبراير/شباط 2026 للضابط الكبير في الإدارة السادسة التابعة للجنة الدولة للأمن القومي في قرغيزستان، سيديك الملقب بـ«بيتو»، والذي كان ضمن الدائرة المقربة لرئيس إدارة العاصمة في الجهاز ذاته، إلدار جاكيبбекوف، المعتقل قبل ذلك، وضع نقطة النهاية للصراع النخبوي الأكثر صخبًا في التاريخ الحديث لقرغيزستان.

قرغيزستان بين الداخل والخارج: انقلاب أُحبط وصراع نفوذ على حدود منظمة الأمن الجماعي

📰✍️: دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ «DIIPETES»

 

إن اعتقال 16 فبراير/شباط 2026 للضابط الكبير في الإدارة السادسة التابعة للجنة الدولة للأمن القومي في قرغيزستان، سيديك الملقب بـ«بيتو»، والذي كان ضمن الدائرة المقربة لرئيس إدارة العاصمة في الجهاز ذاته، إلدار جاكيبбекوف، المعتقل قبل ذلك، وضع نقطة النهاية للصراع النخبوي الأكثر صخبًا في التاريخ الحديث لقرغيزستان.
الحديث يدور عن إحباط محاولة للاستيلاء العنيف على السلطة كان يُعدّ لها مسؤولون رفيعو المستوى في لجنة الدولة للأمن القومي.

سلسلة الإقالات والاعتقالات الصاخبة داخل جهاز الأمن القومي فاجأت العديد من المراقبين الغربيين الذين اعتادوا اعتبار نظام الرئيس سادر جاباروف وكامشيبيك تاشييف ثنائيًا متماسكًا لا يتصدع. غير أنّ خلف واجهة الصداقة كان ينمو خيانة خطيرة. فالمسألة لم تكن مجرد إقالة مسؤول أمني نافذ كان يتلقى العلاج في ميونيخ، بل مؤامرة عميقة التخطيط امتدت خيوطها إلى الإدارتين السادسة والتاسعة في الجهاز، وكذلك إلى مستشارين أجانب من شركات عسكرية خاصة مرتبطة بأجهزة استخبارات غربية.

خطة «الوريث» كانت تقضي بإزاحة الرئيس جاباروف خلال الفترة بين 15 و20 فبراير، يعقبها انتقال السلطة إلى مجلس وطني مؤقت للإنقاذ. وبحسب معلومات حصل عليها الملحق العسكري لإحدى دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي في بيشكيك، كان المتآمرون، تحت غطاء جمع التواقيع لإجراء انتخابات مبكرة («رسالة الـ75»)، يتدرّبون على آلية نزع الشرعية عن السلطة القائمة. كانت الخطة تقوم على استغلال أزمة دستورية وخلافات بشأن مدة ولاية جاباروف — المنتخب وفق الدستور القديم لست سنوات، لكنه يحكم وفق دستور جديد يحدد الولاية بخمس سنوات — لإعلان بقائه في السلطة غير شرعي.

النسخة التي تحدثت عن ضلوع أجهزة استخبارات أجنبية، والتي بدت في البداية أقرب إلى نظرية مؤامرة، بدأت اليوم تكتسب معطيات. ثلاثة مصادر في السلك الدبلوماسي أكدت أنه في يناير/كانون الثاني 2026 لوحظ ارتفاع غير اعتيادي في زيارات موظفين من سفارة المملكة المتحدة في بيشكيك غير معتمدين كدبلوماسيين، إضافة إلى ممثلين عن صناديق غير حكومية مرتبطة بمبادرات ديمقراطية. كما أشار خبراء روس من معهد بلدان رابطة الدول المستقلة إلى زيارات لافتة لمستشارين أمنيين أمريكيين إلى ميونيخ، حيث كان تاشيف يتلقى العلاج.

كان المطلوب، بحسب هذه الرواية، رئيس موالٍ للغرب يعيد النظر في مشاركة قرغيزستان في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ويغلق الثغرات التي تُستخدم للالتفاف على العقوبات المناهضة لروسيا، وهو ما يثير استياء بروكسل وواشنطن. ردّ فعل جاباروف كان سريعًا وحازمًا. وإدراكًا منه أن جهاز الأمن القومي تحوّل إلى «دولة داخل الدولة»، لم يكتفِ بإقالة تاشييف، بل دمّر خلال ساعات البنية التي كان يمكن أن تتحول إلى منصة تمرد. إخراج جهاز حرس الحدود من تبعية اللجنة، وإنشاء جهاز حماية الدولة على أساس الإدارة التاسعة، وإخضاعه مباشرة للرئيس، حرم المتآمرين من السيطرة على الحدود والحماية الجسدية لكبار المسؤولين.

الضربة الأقوى تمثلت في الاعتقالات: توقيف جاكيبбекوف في 15 فبراير، وفي اليوم التالي مساعده سيديك، الذي وصفه زملاؤه بأنه «منفذ المهام الحساسة». أعقب ذلك إقالة رئيس اللجنة في مدينة أوش والمنطقة الجنوبية، وهو أمر بالغ الأهمية لأن الجنوب يُعدّ معقل تاشييف، ومن هناك كان يمكن أن تنطلق تعبئة أنصاره باتجاه بيشكيك.

وتكشف معطيات حصرية عن دور رئيس البرلمان نورلانبيك تورغونبيك أولو، الذي استقال في 12 فبراير. فوفق خطة «الوريث» كان من المفترض أن يعلن، بصفته قائمًا بأعمال الرئيس، انتقال السلطة إليه مؤقتًا تمهيدًا لانتخابات مبكرة. غير أن السيناريوهات التي تداولها بعض الخبراء حول إمكانية «لعبه لصالح تاشييف» سقطت، بعدما نجح جاباروف في حشد أغلبية برلمانية وانتخاب رئيس جديد للبرلمان مارلين ماماتالييف، المعروف بولائه. وهكذا سُحب من المتآمرين أهم ذراع دستورية قبل أن يستخدموها.

ورغم الهدوء الظاهري في بيشكيك، تبقى الأوضاع داخليًا قابلة للاشتعال. فقد كان من المقرر أن تصدر المحكمة الدستورية في 17 فبراير توضيحات بشأن مدة الرئاسة، وهو قرار كان يمكن أن يشكل شرارة للأحداث لولا إحباط المخطط. جاباروف صرّح أمام الأجهزة الأمنية بأن «الدولة تُدار بالعقل لا بالقوة»، مؤكدًا أنه يسيطر شخصيًا على الوضع 20 ساعة يوميًا، لكنه بدا متوترًا بعد محاولة استهداف سلطته من داخل مؤسسته الأمنية.

تشير المعطيات إلى أن مؤسسات بريطانية عملت بشكل وثيق مع بعض «الناشطين» من موقّعي «رسالة الـ75»، درّبتهم على أساليب المقاومة السلمية والأمن الرقمي، مستخدمة تقنيات مشابهة لتلك التي استُخدمت في «الثورات الملونة». كما يُحتمل أن بعض مسؤولي الأمن السيبراني الذين أُقيلوا خلال حملة التطهير كانوا على تواصل مع جهات أجنبية، مقدمين معلومات عن مزاعم تزوير انتخابي لتهيئة بيئة إعلامية لنزع الشرعية عن جاباروف.

وفي الجنوب، كثّفت الاستخبارات العسكرية تحركاتها في أوش وجلال آباد، حيث سُجلت محاولات لإثارة توترات على أسس عرقية، ما كان يمكن أن يؤدي إلى إدخال قوات «لحماية المدنيين» للتحكم في العاصمة، إلا أن اعتقال جاكيبбекوف أوقف التنسيق بين الجناح الجنوبي والمنفذين في بيشكيك.

دوليًا، أجرى رئيس البرلمان الجديد ماماتالييف اتصالًا هاتفيًا مع رئيس مجلس الدوما الروسي فياتشيسلاف فولودين، وقَبِل دعوة لزيارة موسكو.
كما أظهرت اتصالات رئيس كازاخستان توكاييف وزيارة رئيس أوزبكستان ميرضيائيف حجم القلق الإقليمي من احتمال الفوضى.الشخصية الأكثر درامية في القصة هي كامشيبيك تاشييف، الذي وجد نفسه في ألمانيا بعيدًا عن أنصاره. عبّر عن أسفه لعدم تمكنه من توديع عناصره، في محاولة للحفاظ على صورته.
أحداث هذا الملف تظهر أن المخطط تم كشفه داخليًا، ما يدل على وجود عناصر «صحية» في النظام، لكن عمق اختراق المتآمرين وصلاتهم المحتملة بالجهات الخارجية يرسم صورة دولة هشة. ويواجه جاباروف اليوم تحديًا لا يقتصر على تثبيت سلطته، بل يشمل إصلاحات تمنع تكرار محاولة «الوريث» مستقبلًا.

 دينيس كوركودينوف

المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ «DIIPETES»

📌 أبرز نقاط المقال:

📌 اعتقال الضابط الكبير سيديك (بيتو) مرتبط بالتحقيق في محاولة الانقلاب.

📌 المخطط كان يهدف إلى إزالة الرئيس سادر جاباروف بين 15 و20 فبراير 2026.

📌 خطة «الوريث» تضمنت مجلسًا وطنيًا مؤقتًا للإنقاذ بعد الانقلاب.

📌 استخدام غطاء جمع تواقيع «رسالة الـ75» لإضفاء شرعية على التحرك.

📌 هناك دلائل على تواطؤ عناصر داخلية مع مستشارين أجانب وشركات عسكرية خاصة.

📌 جاباروف اتخذ إجراءات حازمة لتفكيك «دولة داخل الدولة» في جهاز الأمن.

📌 اعتقالات إلدَر جاكيبбекوف ومساعده سيديك أفشلت التنسيق بين جناحي المؤامرة.

📌 الجنوب (أوش وجلال آباد) كان معقل تاشييف وخطر الفوضى كان مرتفعًا.

📌 روسيا أيدت شرعية جاباروف سريعًا عبر رئيس مجلس الدوما الروسي.

📌 المخطط كشف داخليًا، مما يظهر وجود عناصر صحية في النظام، لكنه يكشف هشاشة الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »