
الإعلام… حين يتحوّل المصباح إلى عود ثقاب
🧾✍️بقلم: فاطمة يوسف بصل
العنف لا يبدأ دائمًا بطلقة رصاص. كثيرًا ما يبدأ بعنوانٍ كاذب، بصورةٍ مبتورة، أو بصمتٍ مُتعمد حين يصبح الكلام واجبًا أخلاقيًا. فالعنف قبل أن يكون فعلًا جسديًا، هو فكرة تُصاغ لغويًا، وتُمرَّر ذهنيًا، ثم تُنفَّذ على أرضٍ مُهيّأة.
دور الإعلام في صناعة العنف
الإعلام ليس ناقلًا محايدًا كما يُروَّج له، بل فاعل أساسي في تشكيل الوعي الجمعي. حين يختار التحريض بدل التفسير، والإثارة بدل الحقيقة، فإنه لا ينقل العنف بل يُعيد إنتاجه ويمنحه شرعية جماهيرية. كل عنوانٍ مُلغّم، وكل نقاشٍ يُدار بالصراخ، هو خطوة إضافية نحو تطبيع القسوة داخل المجتمع.
الإعلام بين المسؤولية والاتجار بالمشاعر
الإعلام الذي يلهث خلف نسب المشاهدة ويتاجر بالغضب لا يؤدي وظيفة إعلامية، بل يُدير سوقًا للفوضى. تحويل المآسي إلى عروض، والضحايا إلى أرقام، والجريمة إلى مادة استهلاكية، هو سقوط مهني وأخلاقي يُحوّل الكلمة من أداة وعي إلى أداة هدم.
الإعلام الرقمي: الساحة الأخطر
في الفضاء الرقمي، تضاعفت الخطورة. لم تعد المسؤولية حكرًا على المؤسسات، بل أصبحت موزّعة على ملايين المستخدمين. تغريدة واحدة قد تشعل فتنة، وفيديو مُجتزأ قد يدمّر سمعة، وتعليق ساخر قد يخلّف جرحًا نفسيًا عميقًا. ومع غياب المحاسبة، يتحوّل العنف إلى محتوى، والألم إلى ترفيه.
حدود الحرية الإعلامية
حرية الإعلام لا تعني حرية التحريض، ولا تبرّر التلاعب بالحقائق أو اللعب بوعي الناس. الكلمة غير المسؤولة جريمة مؤجّلة، والصورة المزوّرة مشاركة في الأذى، والصمت الانتقائي تواطؤ صريح مع العنف. الإعلام الحرّ هو الذي يسأل عن الأثر قبل النشر، لا عن عدد النقرات بعده.
مسؤولية الفرد في عصر الإعلام المفتوح
المتلقي لم يعد بريئًا. كل مشاركة، كل إعجاب، كل صمت، هو موقف. حين يُعاد نشر العنف بلا وعي، أو تُكافأ الكراهية بالتفاعل، يساهم الفرد في تغذية مناخ عام يُشرعن القسوة. الإعلام اليوم في يد الجميع، والمسؤولية باتت جماعية.
الإعلام سلطة معنوية خطيرة؛ إمّا أن يكون مصباحًا يُنير طريق الوعي، أو عود ثقاب يشعل الفوضى. الخيار ليس بيد المؤسسات وحدها، بل بيد كل من يكتب، وينشر، ويشاهد. فإما أن نُطفئ النار بالكلمة المسؤولة، أو نواصل النفخ فيها حتى تحرقنا جميعًا.



