«التضحية ليست موتاً بل ولادة للأمة: قراءة فكرية لأيوب نصر حول المقاومة»
في إطار النقاشات الفكرية والفلسفية حول مفاهيم الحرب والتضحية والهوية في السياق العربي والإسلامي المعاصر، يقدم الباحث المغربي أيوب نصر قراءة معمّقة لعدد من الإشكاليات المتصلة بالحرب والمقاومة، والبعد الديني والأخلاقي للتضحية في سبيل الوطن، ضمن حوار خاص مع منصة Pravda TV.

«التضحية ليست موتاً بل ولادة للأمة: قراءة فكرية لأيوب نصر حول المقاومة»
حوار مع الباحث المغربي أيوب نصر — منصة Pravda TV
في إطار النقاشات الفكرية والفلسفية حول مفاهيم الحرب والتضحية والهوية في السياق العربي والإسلامي المعاصر، يقدم الباحث المغربي أيوب نصر قراءة معمّقة لعدد من الإشكاليات المتصلة بالحرب والمقاومة، والبعد الديني والأخلاقي للتضحية في سبيل الوطن، ضمن حوار خاص مع منصة Pravda TV.
ويعتمد نصر على الربط بين الفطرة الإنسانية والدافع الديني، وبين منطق الصراع التاريخي ومفاهيم الأمن القومي والإقليمي، مستنداً إلى التحليل الإسلامي الكلاسيكي لمفهوم جهاد الدفع، ومقارباً البعد الواقعي والسياسي للحروب الحديثة، خاصة في ضوء ما يجري في غزة.
المحور الأول: الحرب والمعركة – التمييز والتحليل
ينطلق الباحث أيوب نصر من تحديد دقيق للفوارق بين المفاهيم العسكرية والسياسية للحرب، موضحًا أن الحرب عبارة عن مجموعة عمليات بحرية وجوية وبرية، وكل عملية تتكوّن من مجموعة معارك. وبناءً على هذا التعريف، يرى نصر أن ما يحدث في غزة لا يُعدّ حربًا شاملة أو عملية محدودة، بل هو مقاومة تواجه جيشًا محتلاً يمارس إبادة جماعية وتطهيرًا عرقيًا.
ويشير إلى أن الحرب لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، إذ يمكن أن تستمر الحرب السياسية والاقتصادية بينما تتوقف العمليات الميدانية. العالم، كما يؤكد، لا يمكن أن يدور دون صراع، فالإنفاقيات والاتفاقيات بين الدول وجوه مختلفة للصراع مع طرف ثالث.
“حين تفكك الاتحاد السوفياتي، ظن الناس أن التاريخ توقف لأن الصراع انتهى، لكن بريجينسكي اعتبر أن الصراع لم ينته بل توقف لفترة وسيعود، رغم أن الحرب الباردة انتهت.”
ويضيف نصر أن نهاية العمليات العسكرية لا تعني بالضرورة نهاية الصراع، إذ يمكن أن تتوقف الحرب بسبب الغلبة العسكرية أو الضغوط الاقتصادية أو التحركات الدبلوماسية، كما حدث في غزة نتيجة الضغط الدبلوماسي والتحرك السياسي.
ويختم هذا المحور مؤكداً أن التحالفات الإقليمية والدولية نوع من الصراع الاستراتيجي، وأن انتهاء الحرب في غزة ليس أكثر من إنجاز تكتيكي محدود ضمن حرب استراتيجية أوسع، ولا ينهي الصراع إلا بتصفية الاحتلال.
“لا أستبعد أن تتدخل أطراف جديدة فيه، وخاصة العربية بعدما أهملته، لكن ضربة قطر جعلت الجميع يتحسس رأسه ويعيد النظر في الأمر كله، ولهذا رأينا تحركًا دبلوماسيًا عربياً أدى إلى الاتفاق على وقف القتال.”
المحور الثاني: التضحية في سبيل الوطن – البعد الديني والأخلاقي
ينتقل الباحث إلى البعد القيمي والديني للتضحية، مؤكدًا أن الدفاع عن الوطن ضد العدو الخارجي أمر فطري تشترك فيه الإنسانية. فالرد الطبيعي على أي اعتداء على البيت أو الأسرة هو الدفاع والمقاومة.
ويضيف نصر أن الإسلام جاء موافقًا لهذه الفطرة البشرية، وأن ما يُعرف اليوم بالمقاومة سماه جهاد الدفع وجعله واجبًا على كل مسلم إذا تعرض وطنه للاعتداء أو الاحتلال.
ويشرح الباحث أن الإسلام ينظر إلى المجتمع الإسلامي باعتباره وطناً وأمة في آن واحد. فإذا فُرضت التضحية على أهل الوطن، يُفترض على من يلونهم التدخل إذا انهزموا أو تهاونوا، حتى تعمّ المقاومة أو جهاد الدفع كل قطر مسلم، ما يعكس مفهوم الأمن القومي والأمني الإقليمي.
الحدود الشرعية التي تجعل الفعل نبيلاً تلخصها الآية الكريمة: “إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً.”
وفي ما يخص التضحيات الفردية، يوضح نصر أن الإسلام لم يشترط شروطاً محددة للمقاومة، لأن من يقوم بها هم أفراد الشعب بما لديهم من ضعف، لكن الفطرة تحث على الدفاع والمواجهة، فالمقاومة يمكن أن تكون فردية أو جماعية، والهدف منها تعطيل انتصار العدو وجعل عدوانه مكلفًا.
ويؤكد نصر أن التضحية تؤثر على الهوية الوطنية والجماعية، فالشعوب بعد تصفية الاستعمار تخلد ذكر من قاوم وصان، وتستثمر هذه الذاكرة في إحياء النفوس وغرس حب الاقتداء بالأبطال المقاومين، لما لذلك من أثر في تعزيز الصمود المجتمعي والوعي الاستراتيجي.
أما مسؤولية المجتمع والدولة بعد انتهاء العمليات القتالية، فيرى نصر أن المهمة الكبرى هي تحويل التضحية إلى قيمة بناء عبر تربية الأبناء على قيم صحيحة وسامية، وغرس المبادئ العالية في نفوسهم، من خلال المناهج التعليمية والبرامج التلفزيونية، مع التأكيد على أن هذا يحتاج إلى منهج كامل وعمل طويل المدى.
خاتمة
من خلال هذا العرض الفكري، يقدم الباحث أيوب نصر رؤية متكاملة تتجاوز الإطار العسكري لتضع الحرب والمقاومة في سياق أخلاقي وإنساني وديني.
المقاومة ليست مجرّد ردّ على العدوان، بل هي تعبير عن فطرة الإنسان الحرة، وعن وعي حضاري يربط بين الدفاع عن الوطن وصون الكرامة الإنسانية.
أما التضحية، فتبقى قيمة سامية لا تُقاس بنتائجها المادية بل بقدرتها على إحياء الوعي الجمعي وبناء الذات الوطنية.
الباحث: أيوب نصر المختص في المدارس الفكرية والاستشراق
أبرز النقاط في المقال
✍️ الحرب لا تنتهي بانتهاء العمليات
العسكرية، بل لها أبعاد سياسية واقتصادية ودبلوماسية.
✍️ التحالفات الإقليمية والدولية شكل من أشكال الصراع وتؤثر على مسار الحروب.
✍️ التضحية في سبيل الوطن فطرية وموافقة للدين، والإسلام جعلها واجبًا على كل مسلم في مواجهة العدوان أو الاحتلال.
✍️ جهاد الدفع في الإسلام يعكس الأمن القومي والأمني الإقليمي، ويضمن استمرارية المقاومة إذا تهاون البعض.
✍️ التضحيات الفردية تهدف لتعطيل انتصار العدو وجعل عدوانه مكلفًا، وليست مرتبطة فقط بتحقيق نصر ميداني.
✍️ الهوية الوطنية والجماعية تتغذى من تضحيات الأبطال، ويجب استثمارها لتعزيز الصمود المجتمعي والوعي الاستراتيجي.
✍️ مسؤولية المجتمع والدولة بعد الحرب هي تحويل التضحية إلى قيمة بناء عبر التربية والمناهج التعليمية والبرامج الإعلامية.
✍️ انتهاء العمليات العسكرية في غزة يعد إنجازًا تكتيكيًا محدودًا، والنصر الحقيقي لا يتحقق إلا بزوال الاحتلال.



