مقالات
أخر الأخبار

هل يدفع الوطن ثمن “المقاومة”؟

في المسرح الجيوسياسي المعقد لمنطقتنا، غالبًا ما تُختزل الأحداث الكبرى في عناوين بسيطة وشعارات عاطفية، بينما تُترك الأسئلة الجوهرية دون إجابة، غارقة في ضجيج الإعلام الموجه. ومن بين هذه الأسئلة، يبرز سؤالٌ مركزي، لا يتعلق بالحدث الآني في غزة أو جنوب لبنان فحسب، بل يمس بنية الدولة ومستقبلها في عالمنا العربي بأسره: هل وصلنا إلى مرحلةٍ يدفع فيها الوطن ثمن "المقاومة" التي تُرفع باسمه؟

هل يدفع الوطن ثمن “المقاومة”؟

✍️🧾كتب: مشتاق هاشم العلوي

في المسرح الجيوسياسي المعقد لمنطقتنا، غالبًا ما تُختزل الأحداث الكبرى في عناوين بسيطة وشعارات عاطفية، بينما تُترك الأسئلة الجوهرية دون إجابة، غارقة في ضجيج الإعلام الموجه.

ومن بين هذه الأسئلة، يبرز سؤالٌ مركزي، لا يتعلق بالحدث الآني في غزة أو جنوب لبنان فحسب، بل يمس بنية الدولة ومستقبلها في عالمنا العربي بأسره: هل وصلنا إلى مرحلةٍ يدفع فيها الوطن ثمن “المقاومة” التي تُرفع باسمه؟

إن طرح هذا السؤال لا يهدف إلى التشكيك في مشروعية مقاومة الاحتلال، فهذا حق طبيعي وقانوني، بل يهدف إلى تفكيك ظاهرة أصبحت جزءًا من بنية الصراع في المنطقة: ظاهرة “الكيانات المسلحة الموازية للدولة”. هذه الكيانات التي نشأت في ظروف تاريخية معينة، غالبًا كرد فعل على ضعف الدولة أو غيابها، تحولت بمرور الزمن من أداة للمواجهة مع عدو خارجي، إلى بنية تحتية لمشروع سياسي وأيديولوجي خاص بها، له ارتباطاته وأجنداته التي قد لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة الوطنية العليا.

عندما نحلل المشهد من زاوية استراتيجية، نجد أن الثمن الذي يدفعه “الوطن” متعدد الأبعاد:

فحجر الزاوية في بناء أي دولة حديثة هو احتكارها الحصري للقوة المسلحة وقرار الحرب والسلم. عندما يُكسر هذا الاحتكار، وتظهر جهة أخرى تملك السلاح والقدرة على إطلاق الصواريخ أو شن الهجمات، فإننا لم نعد نتحدث عن “دولة” بالمعنى الدقيق للكلمة، بل عن “ساحة” تتنافس فيها إرادات متعددة. القرار السيادي للوطن يُصبح مُختطفًا، ورهينة لحسابات فصيل مسلح، وهذا الفصيل بدوره غالبًا ما يكون جزءًا من شبكة إقليمية أوسع، تتلقى الدعم والتوجيه من عاصمة إقليمية أخرى. وهكذا، يتحول الوطن من “لاعب” يملك قراره، إلى مجرد “ورقة” على طاولة صراع القوى الكبرى والإقليمية.

إن الاستقرار والتنمية لا يمكن أن ينموا في ظل فوضى السلاح. ووجود كيان مسلح خارج سيطرة الدولة يعني أن قواعد اللعبة يمكن أن تتغير في أي لحظة. هذا يخلق بيئة طاردة للاستثمار، ويشل أي محاولة جادة للبناء الاقتصادي. فكيف يمكن إقناع رأس المال بالبناء في منطقة قد تستيقظ غدًا على حرب لم تقررها الدولة، بل قررها قائد فصيل بناءً على توجيهات خارجية أو حسابات أيديولوجية ضيقة؟

إن النتيجة هي تكريس حالة الفقر والاعتماد على المساعدات، وتحويل المجتمع إلى بيئة هشة، يسهل اختراقها والتحكم فيها. للحفاظ على شرعيتها وتبرير احتكارها للسلاح، تعمل هذه التنظيمات على عملية فرز أيديولوجي مستمرة داخل المجتمع. يتم تقسيم الناس إلى “محور مقاوم” و”محور متخاذل”، وتُستخدم تهم الخيانة والعمالة كأداة لإسكات كل صوت ينتقد أو يطالب بأولوية الدولة. وهذا الخطاب هو ما يؤدي إلى تمزيق الهوية الوطنية الجامعة، واستبدالها بهويات فرعية قاتلة (طائفية، حزبية، أيديولوجية).

لقد علمتنا تجارب الماضي: إن المقاومة التي تبدأ كفعل لتوحيد الشعب في وجه عدو، تنتهي كأداة لتفريقه وتمزيق نسيجه الداخلي. وهذه الإشكالية التي نواجهها اليوم ليست في مبدأ المقاومة، بل في “خصخصتها”، أي تحويلها من فعل وطني شامل تقوده الدولة ومؤسساتها، إلى مشروع خاص بفصيل مسلح يخدم أجندة تتجاوز حدود الوطن.

إن الانحياز الحقيقي للوطن في هذه المرحلة التاريخية الحرجة، هو الانحياز لمشروع الدولة، والمطالبة بعودة الحق الحصري في القوة والقرار إلى حضنها. فأي سلاح خارج هذه الشرعية، مهما علت شعاراته، سيظل في التحليل النهائي أداة لتقويض سيادة الوطن، وتكريس تبعيته، وتأجيل حلمه في الاستقرار والنهضة.

الكاتب: مشتاق هاشم العلوي

صحفي وباحث في الشأن السياسي العربي والدولي

تعريف الكاتب من غوغل: رابط البحث

مشتاق هاشم العلوي

📌 أبرز نقاط المقال 📌

✍️الطرح يركز على سؤال مركزي: هل يدفع الوطن ثمن “المقاومة”؟

✍️المقاومة المشروعة تتحول إلى كيان مسلح موازٍ للدولة أحيانًا.

✍️احتكار الدولة للقوة العسكرية هو حجر الزاوية في السيادة الوطنية.

✍️تعدد الجهات المسلحة يؤدي إلى فقدان القرار السيادي والوطنية.

✍️الاستقرار والتنمية الاقتصادية تتأثر سلبًا بفوضى السلاح.

✍️الكيانات المسلحة تنقسم المجتمع وتفرض هويات فرعية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة.

✍️المقاومة قد تتحول من فعل وطني إلى مشروع خاص يخدم أجندات خارجية.

✍️الانحياز للوطن يتطلب دعم الدولة وعودة احتكار القوة والقرار إليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »