باقلامهم
أخر الأخبار

ابتسامة القيصر وقلق التنين… ما وراء هدنة غزة؟

على ضفاف غزة، لم تجف بعد دماء الضحايا، لكن أنهارًا من الحسابات الكبرى بدأت تجري تحت رمال التهدئة. الهدنة التي أُعلنت ليست نهاية فصل، بقدر ماهي وقفة محارب يلتقط أنفاسه، ويعيد ترتيب أوراقه على خريطة لم تُرسم حدودها النهائية بعد. بين واشنطن وبكين وموسكو، تدور لعبة ظلال صامتة، حيث كل طرف يقرأ الآخر بعينين مفتوحتين على هاوية المجهول.

ابتسامة القيصر وقلق التنين… ما وراء هدنة غزة؟

✍️📰كتب  مشتاق هاشم العلوي

على ضفاف غزة، لم تجف بعد دماء الضحايا، لكن أنهارًا من الحسابات الكبرى بدأت تجري تحت رمال التهدئة. الهدنة التي أُعلنت ليست نهاية فصل، بقدر ماهي وقفة محارب يلتقط أنفاسه، ويعيد ترتيب أوراقه على خريطة لم تُرسم حدودها النهائية بعد. بين واشنطن وبكين وموسكو، تدور لعبة ظلال صامتة، حيث كل طرف يقرأ الآخر بعينين مفتوحتين على هاوية المجهول.

في بكين، لم يكن قرار توسيع قيود تصدير المعادن النادرة مجرد حركة اقتصادية، ولكنه طلقة تحذير في سماء النظام العالمي. رسالة التنين الصيني واضحة: لا يمكن لأحد أن يعيد هندسة الشرق الأوسط على حساب “طريق الحرير“. بكين، بعقلها الاستراتيجي الصبور، تعلم أن واشنطن تسابق الزمن لإنهاء ملفات الشرق الأوسط المشتعلة، كي تتفرغ للمواجهة الحاسمة في المحيط الهادئ. لذلك، أي هدنة أمريكية هي مجرد قناع يخفي قلقًا صينيًا عميقًا، وترقبًا لما سيأتي بعد أن ينجلي غبار غزة.

وأما في موسكو، فيبتسم القيصر بعمق. بوتين، سيد اللعبة المزدوجة، يشكر ترامب على هدنة لا يعترف بها البيت الأبيض، مرسلًا بذلك رسالة قوة واحتواء تهز الشرق والغرب. ابتسامته تقول: “أنتم من بدأ الحرب، لكننا من يتقن فن إدارة لحظاتها الحرجة”. موسكو تحتفل بمعرفتها، وتدرك أن قلق بكين هو ورقتها الرابحة، وأن كل خطأ أمريكي هو مكسب روسي.

وعلى الضفة الأخرى، تراقب طهران بصمتٍ ثقيل. الحوثي، وكيلها الأكثر جرأة، خرج يلوّح باستئناف استهداف السفن الأمريكية، كأنه يطلق رصاصة محسوبة بدقة في جسد الهدنة الهش. إيران لا تريد حربًا شاملة الآن، لكنها لا تستطيع أن تبدو ضعيفة أمام جمهورها. وكل صاروخ حوثي هو اختبار لصبر واشنطن، وتذكير بأن السيطرة الأمريكية على مياه العالم ليست قدرًا محتومًا.

وفي الشمال، يكتمل المشهد السوري-التركي. الترويج لفرضية تقدم أردوغان المزعوم شرق الفرات يبدو كصفقة كبرى، لكنه في الحقيقة ليس أكثر من مناورة داخل قفص أمريكي؟ لأن شرق سوريا سيبقى غرفة عمليات لواشنطن، وحكومة “أحمد الشرع” ليست سوى بالون اختبار إعلامي، يسمح لأردوغان باستعراض نفوذ وهمي، بينما القرار الأخير يبقى محجوزًا في البيت الأبيض. وهكذا تبدو دمشق، العاصمة الصامتة على أطراف الزلزال، كجمر تحت الرماد، تنتظر اللحظة التي يعلن فيها الكبار أن زمن الخرائط القديمة قد انتهى.

المأساة اليوم هي أن أمريكا تفتقد عقلية الثعلب؛ عقلية هنري كيسنجر، الذي أتقن فن تحريك القطع قبل إعلان الحرب. اليوم، تبدو كل خطوة أمريكية رد فعل منفصل، بينما تراقب الصين كل حركة كجزء من نسق أكبر.

إن التاريخ يعلمنا أن الصراعات العظمى لا تنتهي بصفقات مؤقتة، بل بالقدرة على قراءة نوايا الخصم والتحرك في التوقيت الاستراتيجي الدقيق. ما بعد غزة ليس سلامًا، بل هو إعادة تموضع للقوى، واختبار للتحالفات، وقياس لصبر الخصوم. ابتسامة القيصر الروسي وقلق التنين الصيني هما العنوان الحقيقي للمرحلة القادمة، بينما زلزال الشرق الأوسط الكبير ينتظر فقط اللحظة المناسبة ليكشف للعالم من كان يملك مفاتيح اللعبة حقًا.

🔹 تعريف بالكاتب:

مشتاق هاشم العلوي، كاتب ومحلل سياسي عربي، متخصص في العلاقات الدولية وتحليل النزاعات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

🔹 أبرز نقاط المقال:

✍️الهدنة في غزة ليست نهاية الحرب بل محطة لإعادة ترتيب الأوراق الاستراتيجية.

✍️الصين توسع قيود تصدير المعادن النادرة كرسالة تحذير للنظام العالمي.

✍️بوتين يستفيد من الهدنة لإظهار القوة الروسية واحتواء الأزمة.

✍️إيران تستخدم الحوثيين لاختبار صبر واشنطن دون الدخول في حرب شاملة.

✍️الشرق السوري يبقى غرفة عمليات أمريكية، مع مناورات أردوغان الإعلامية.

✍️غياب عقلية استراتيجية أمريكية مقارنة بالصبر والخطة الصينية والروسية.

✍️المرحلة القادمة ستكشف من يملك مفاتيح اللعبة في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »