باقلامهم
أخر الأخبار

جنوب سوريا: بين خرائط الاتفاقات والتسويات الداخلية – معركة على هوية الأمن والسيادة

جنوب سوريا اليوم يقف عند مفترق دقيق، حيث تتقاطع التفاهمات الخارجية مع الاتفاقات الداخلية، ليعكس ذلك تحوّلًا من منطق «الحل السياسي» إلى منطق «إدارة الأزمة». فالمنطقة تتحول تدريجيًا إلى ساحة مراقبة تحت إشراف أمريكي مباشر، حيث يعاد ترتيب معادلات الأمن من دون المساس بجوهر الصراع أو حل مشكلاته الأساسية.

 جنوب سوريا: بين خرائط الاتفاقات والتسويات الداخلية – معركة على هوية الأمن والسيادة

✍🏻📰كتب وائل المولى – كاتب وصحفي

جنوب سوريا اليوم يقف عند مفترق دقيق، حيث تتقاطع التفاهمات الخارجية مع الاتفاقات الداخلية، ليعكس ذلك تحوّلًا من منطق «الحل السياسي» إلى منطق «إدارة الأزمة». فالمنطقة تتحول تدريجيًا إلى ساحة مراقبة تحت إشراف أمريكي مباشر، حيث يعاد ترتيب معادلات الأمن من دون المساس بجوهر الصراع أو حل مشكلاته الأساسية.

🔴 اتفاقات الأمن: خرائط تُقيّد الجنوب

الاقتراح الأخير من جانب إسرائيل قدّم الجنوب السوري كمنطقة أمنية محكمة السيطرة، مقسّمة إلى ثلاث مناطق مختلفة القيود: منطقة عازلة موسّعة، منطقة يُمنع فيها وجود القوات والسلاح الثقيل، ومنطقة ثالثة محظور فيها تمامًا تحليق الطيران السوري.
ورغم أن الحديث عن «الممر الجوي إلى إيران» جرى تسويقه باعتباره «اتفاقًا للاستقرار»، إلا أن جوهره يكشف الهدف الحقيقي: تكريس قدرة إسرائيل على التدخل العسكري متى شاءت وبالطريقة التي تراها مناسبة.
أما دمشق فتسعى لتقليل الخسائر عبر المطالبة بالعودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار لعام 1974، وانسحاب القوات من الأراضي التي احتلتها إسرائيل مؤخرًا، ووقف الغارات الجوية. لكن سقف التوقعات يبقى محدودًا؛ فلا سلام مرتقب، بل نسخة جديدة من «تجميد الصراع» تذكّر بما جرى قبل نصف قرن.

🔴 السويداء: الساحة الداخلية في قلب المعادلة

وبالتوازي، جرى توقيع اتفاق ثلاثي بين سوريا والأردن والولايات المتحدة حول السويداء، بهدف استكمال صورة «الجنوب المراقَب».
وتضمنت بنوده:
– إخراج المقاتلين المدنيين من محيط المحافظة،
– نشر قوات نظامية منضبطة،
– تشكيل مجلس محلي جامع،
– إنشاء جهاز شرطة بقيادة شخصية من أبناء المنطقة،
– محاسبة المتورطين في أعمال العنف،
– وفتح الطريق أمام المصالحة الوطنية.
وهكذا، لم تعد السويداء قضية داخلية محضة، بل صارت جزءًا من منظومة أمنية إقليمية، تستهدف منع اندلاع صدامات طائفية وتفادي تحوّل المحافظة إلى جبهة مفتوحة قد تربك الحسابات الإقليمية.

🔴 الأردن والولايات المتحدة: رعاة التفاهمات

الأردن قدّم نفسه كضامن مباشر، رابطًا أمن جنوب سوريا بأمنه الوطني، ومتهمًا إسرائيل بأنها اللاعب الوحيد الساعي لتقسيم سوريا. جاءت هذه المقاربة بعد طرح إسرائيلي لفتح ممر آمن نحو السويداء عبر الأراضي الأردنية والمناطق الدرزية المحاذية (التي يقطنها دروز وبدو)، ما كان يعني نقل المشكلة إلى داخل الأردن نفسه. لكن عمّان تعاملت بحذر شديد مع هذا الطرح.
في المقابل، وصف المبعوث الأمريكي الخطوات السورية بأنها «تاريخية»، وهو مؤشر واضح إلى أن واشنطن تتبنى مقاربة تقدّم الأمن على حساب السيادة، وتؤجل الملفات السياسية إلى أجل غير مسمى.

🔴 خاتمة: حاضر مؤقت وسيادة معلّقة حتى إشعار آخر

تتبلور اليوم مساران متكاملان:
– مسار خارجي، ترسم فيه إسرائيل – برعاية أمريكية – الخرائط والحدود.
– ومسار داخلي في السويداء، يخضع لوصاية أمريكية – أردنية مباشرة، للحفاظ على التوازن الاجتماعي والأمني.
لكن الجامع بينهما أنه لا يجري إعداد حل نهائي، بل يُبنى نظام مؤقت لإدارة الأزمة: يمنع الانهيار ويؤجل القضايا الكبرى – من الجولان إلى السيادة الوطنية – إلى موعد غير محدد.
وبهذا المعنى، فإن جنوب سوريا لا يحظى بمستقبل مستقر، بل بواقع مؤقت محدود: تُرسم حدوده ومعادلات أمنه من الخارج، بينما تبقى سيادته معلّقة على جدار الانتظار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »