دعاة الحرب في أوروبا.. ومعضلة الضمانات الأمنية قراءة في خطاب بوتين من الصين
يبدو أن الخطاب الروسي الرسمي في المرحلة الراهنة يحتاج إلى أن يتجه إلى مزيد من الوضوح في رسم خطوط الفصل بين ما تعتبره موسكو أسباباً جذرية للأزمة، ثم الصراع أو الحرب الأوكرانية، وبين ما تراه مجرد أعراض أو تداعيات ثانوية.

دعاة الحرب في أوروبا.. ومعضلة الضمانات الأمنية
قراءة في خطاب بوتين من الصين
✍️📰 كتب د. سعد خلف – موسكو
يبدو أن الخطاب الروسي الرسمي في المرحلة الراهنة يحتاج إلى أن يتجه إلى مزيد من الوضوح في رسم خطوط الفصل بين ما تعتبره موسكو أسباباً جذرية للأزمة، ثم الصراع أو الحرب الأوكرانية، وبين ما تراه مجرد أعراض أو تداعيات ثانوية.
في هذا السياق أضع تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، المنعقدة اليوم 1 سبتمبر 2025، بمدينة تيانجين الصينية. بوتين أعاد التأكيد في تصريحه على أن أي تسوية لابد أن تقوم على إزالة هذه الأسباب، وعلى رأسها التوازن الأمني المفقود في أوروبا.
بوتين شدد على أن روسيا تثمن جهود الصين والهند وشركائها الاستراتيجيين الآخرين في تقديمهم لمقترحات للتسوية، وأن ما جرى التفاهم عليه في قمة ألاسكا مع ترامب يمكن أن يشكل أرضية أولية لفتح الطريق نحو تسوية سلمية.
هذا الطريق الذي يقصده بوتين، حسب تصوري لما يدور في رأسه، يرتبط مباشرة بما يصفه الكرملين منذ سنوات، وقبل اندلاع المرحلة الساخنة من المواجهة في ساحة أوكرانيا، بـ الضمانات الأمنية، التي طالب وحاول الوصول إلى الاتفاق عليها مع بايدن قبل أسابيع من دخول دباباته إلى أوكرانيا.
مفهوم الضمانات الأمنية بات محورياً في مقاربة روسيا للعلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة. فموسكو، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، استندت على وعود غربية شفهية وغير مكتوبة بعدم توسع حلف الناتو شرقاً. لكن تلك الوعود تحولت سريعاً إلى تاريخ من الخديعة والخذلان، مع موجات متلاحقة من التوسع الأطلسي وصلت إلى الفناء الخلفي لروسيا لتضم جمهوريات البلطيق عام 2004، وتبعتها مساعي لضم أوكرانيا وجورجيا عام 2008. من هنا، يرى الكرملين، ويرى بوتين والنخبة الروسية، أن أي تفاهمات غير موثقة بمعاهدات ملزمة قانونياً تبقى مجرد حبر على ورق.
القلق الروسي يتضاعف بفعل الواقع الميداني في أوكرانيا، حيث تتحول البنية العسكرية الغربية هناك – من مستشارين عسكريين، ومنظومات تسليح بعيد المدى، وقواعد تدريب متقدمة – إلى وجود أطلسي فعلي على حدود روسيا.
وإلى جانب ذلك، تدور في الغرب نقاشات حول إعادة نشر الردع النووي التكتيكي في أوروبا الشرقية وتعزيز الوجود البحري في البحر الأسود وبحر البلطيق… كل ذلك تعتبره روسيا تهديداً مباشراً لمعادلة الردع الاستراتيجي.
ومن هنا، تذهب موسكو أبعد من المطالبة بوقف توسع الناتو، لتطرح رؤيتها بشأن نظام أمني أوروبي جديد يقوم على معاهدات واضحة وملزمة. وفي خطاب الكرملين والخارجية، يظهر الحنين إلى روح “معاهدة القوات التقليدية في أوروبا” أو تحديث “وثيقة فيينا” حول بناء الثقة. لكن واشنطن وحلفاءها يعتبرون مقترحات موسكو قيوداً تشل قدرة الحلف على المناورة.
في هذا السياق، اتهم المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عواصم مثل برلين وباريس ولندن وبروكسل بعرقلة التسوية والتحريض على التشدد في كييف، ورفض المقترحات الروسية التي نقلها ترامب إلى زيلينسكي.
الخطاب الروسي يجد صداه جزئياً في الإعلام الأمريكي، حيث نقل موقع “أكسيوس” أن إدارة ترامب تحمل بعض القادة الأوروبيين مسؤولية عرقلة المفاوضات الأخيرة، معتبرة أنهم يضغطون على أوكرانيا للمطالبة بتنازلات روسية غير واقعية، في وقت تعجز فيه أوروبا عن تحمل كلفة الحرب.
أما على الأرض الأوروبية، فالملف الأوكراني يتخذ مسارين متوازيين: الأول اقتصادي-عقوباتي عبر حزم العقوبات التي وصلت إلى الحزمة التاسعة عشرة، والثاني عسكري-رمزي عبر نقاشات حول إرسال قوات أوروبية إلى أوكرانيا، وهو خيار يواجه عقبات لوجستية وبرلمانية واضحة. لذلك تميل بعض الأصوات مثل كايا كالاس إلى طرح صيغة أكثر تواضعاً: إرسال مدربين عسكريين وإنشاء مراكز تدريب في غرب أوكرانيا.
اللافت أن قمة منظمة شنغهاي للتعاون لم تشر إلى الأزمة الأوكرانية في إعلانها الختامي، ما يعكس أن أولويات العالم غير الغربي لا تتمحور حولها كما في السردية الأطلسية. فالموضوع بالنسبة لدول شنغهاي ليس مركزياً بل هامشياً لصالح قضايا مثل مكافحة الإرهاب، أمن الطاقة، وتوسيع استخدام العملات الوطنية.
وهكذا يتضح أن المعضلة الأوكرانية بالنسبة لموسكو ليست مجرد نزاع حدودي، بل تجسيد لأزمة أوسع في بنية الأمن الأوروبي. أي تسوية حقيقية، وفق التصور الروسي، يجب أن تستند إلى معالجة ثلاث دوائر:
- الدائرة التاريخية: خيبة الأمل من وعود الغرب الكاذبة منذ مطلع التسعينيات.
- الدائرة الاستراتيجية: منع الناتو من تثبيت وجود دائم على حدود روسيا.
- الدائرة الدبلوماسية: بناء إطار تفاوضي جديد يخرج من هيمنة الأحادية الأمريكية إلى تعددية تحترم توازن المصالح.
ختاماً، فإن تجاهل هذه المرتكزات يجعل أي حل سياسي هشاً وقابلاً للانهيار مع تبدل موازين القوى أو تغير الإدارات الغربية. لذلك، فإن إصرار بوتين على الضمانات الأمنية ليس تكتيكاً آنياً، بل هو جوهر مشروعه الاستراتيجي لضمان أمن روسيا واستقرار أوروبا.



