
الحُب يكتب أول سطوره… عندما تنتهي لهفة البدايات
✍️📰بقلم : فاطمة يوسف بصل.
في بدايات الحب، يبدو كل شيء مثاليًا… العيون تلمع من النظرة الأولى، الكلمات تخرج مغلّفة بالسكر، كل تفصيلة تُدهشك، وكل تصرّف بسيط يصبح مدهشًا. تشتعل اللهفة، ونُبهر بأناقة البدايات، ونتنفس وجود الآخر كأنه الهواء الأول.
لكن… هذا ليس الحب بعد. هذا هو الحلم. اللهفة. التوقعات الجميلة.
الحب، ذاك العميق الحقيقي، لا يُولد من النظرة الأولى… بل من “النظرة الأخيرة” التي لا تتغير رغم كل شيء. يبدأ الحب حقًا عندما تسقط الزينة، وتفتر الاندهاشات. حين ترى الوجه بلا تجميل، والروح بلا تصنّع.
عندما تُكشَف العيوب، وتُختبر الأعصاب، وتتكرر الخلافات، حينها فقط نعرف: هل نحب فعلاً؟ أم كنا نُحب فكرة الحب؟
الحب ليس وجبة سريعة تُقدّم ساخنة في أول موعد، إنه نار بطيئة تنضج مع الوقت، تنكسر ثم تُبنى، تُختبر ثم تُختار من جديد.
تأمّل هذا المشهد… رجل ستيني يجلس إلى جانب زوجته التي أنهكها المرض. عشرون عامًا مضت منذ أن فقدت قدرتها على المشي. كل صباح يُلبسها بيديه، يسرّح شعرها، ويعد لها فطورها كما كانت تفعله له من قبل.
أحدهم سأله: “ألا تشعر بالملل؟” فأجاب: “أنا لا أخدمها… أنا أحبّها.”
هنا يُكتب الحب. لا في البدايات، بل في التفاصيل التي لا يراها أحد.
الحب لا يُقاس بكم مرة قلنا “أحبك”، بل كم مرة أثبتناها في الصمت، في التعب، في العناد، في الغياب، في الانكسار.
هو القدرة على أن تُبقي يدك ممدودة حتى حين تكون يد الآخر مرتعشة. هو أن تظل تنظر إليه كما نظرت أول مرة، رغم كل ما تغيّر.
لهفة البدايات تصنع شرارة، لكن الحياة لا تُضاء إلا بالنار التي نُشعلها كل يوم، حين نُقرر أن نحب من جديد… الشخص نفسه، رغم التعب، رغم التكرار، رغم الواقع.
فلا تغتر بمن يأسرك في أول لحظة، بل تمسك بمن يحبك بعد أن عرف كل وجوهك، ولم يخف منها. من يرى غضبك ولا يهرب، من يرى دمعتك فيخبّئها في قلبه كي لا يراك ضعيفًا.
الحب العظيم لا يصرخ… هو ما يبقى حين يصمت كل شيء.
فإن وجدت من اختارك بعد اللهفة، بعد الضجيج، بعد العثرات… فلا تفرّط به. فهناك تُكتب أولى سطور الحكاية التي لا تنتهي.



