باقلامهم
أخر الأخبار

اكتب جروحك على التراب… وإنجازاتك على الرخام

ليس كل ما نشعر به يستحق أن يُقال، وليس كل ما مررنا به يستحق أن يُخلَّد. ثمة آلام نختار أن نهمسها للأرض، لا لأنّها هينة، بل لأنها خاضت بنا عمق النضج، وصنعت منا ما نحن عليه. فامضِ… واذرِ جراحك في التراب، فالأرض أمّ حنونة، تعرف كيف تبتلع الوجع وتصنع منه شجرة!

اكتب جروحك على التراب… وإنجازاتك على الرخام

✍️📰 بقلم: فاطمة يوسف بصل

ليس كل ما نشعر به يستحق أن يُقال، وليس كل ما مررنا به يستحق أن يُخلَّد. ثمة آلام نختار أن نهمسها للأرض، لا لأنّها هينة، بل لأنها خاضت بنا عمق النضج، وصنعت منا ما نحن عليه. فامضِ… واذرِ جراحك في التراب، فالأرض أمّ حنونة، تعرف كيف تبتلع الوجع وتصنع منه شجرة!

“اكتب جراحك على التراب…” لأن البكاء العلني لا يرمم شيئًا، والصراخ لا يعيد الزمن. ضع جرحك بين يدي الأرض، واتركه يتحلل بصمت، بعيدًا عن عيون الشفقة وألسنة التشفّي.

انظر إلى من واجه الحرب دون أن يتحدّث، إلى من فقد منزله، عمله، أحبّاءه، لكنه وقف في اليوم التالي يبحث عن فرصة لا عن مبرر للانهيار. كم من أمّ دفنت ابنها وخرجت تطبخ لحيّها؟ كم من أب خسر كل شيء وعاد يعمل سائقًا كي لا يمدّ يده؟ هؤلاء لم يكتبوا جراحهم على الجدران، بل على التراب… كي تمحوها الرياح.

“وانقش إنجازاتك على الرخام…” لأن النجاح لا يجب أن يذوب في صمتك. لا تتواضع حين تكون قد صنعت من العدم شيئًا. ارفع رأسك، وخلّد كل لحظة قمت فيها بعدما ظنّوك انتهيت.

انظر إلى عمال النظافة الذين أنهوا تعليمهم الجامعي بعد ساعات الشقاء، إلى الفتاة التي واجهت المرض وخرجت تحاضر عن الأمل، إلى اللاجئ الذي بنى شركة، إلى الأسير الذي كتب روايته خلف القضبان. هؤلاء لم يصرخوا بألمهم… لكنهم نقشوا إنجازهم على الرخام، فأصبحوا قدوة.

كما قال نجيب محفوظ: “الضمير لا يمنعنا من ارتكاب الخطأ، لكنه يمنعنا من الاستمتاع به.” وكذلك الألم… لا تمنعه، لكن لا تتلذذ به، تجاوزه.

“أنا لا أحبذ نشر جراحي على العلن، الناس لا ترحم، لكنهم ينبهرون حين يرونك ناجحًا رغم كل شيء” – (سناء، ٣٨ سنة، ناجية من السرطان).

“حين فقدت عملي، بكيت في غرفتي، ثم نزلت في اليوم التالي لأبيع الورود… لم أخبر أحدًا، لكن بعد عام، افتتحت مشتلًا صغيرًا باسمي” – (فادي، شاب ثلاثيني من بيروت).

الحياة لا تعفي أحدًا من الألم، لكنها تكرّم من يحوّله إلى حجر أساس.
اكتب جراحك على التراب كي لا تُثقل قلبك…
وانقش إنجازاتك على الرخام، لأنك تستحق أن تُروى حكايتك بفخر.
فالحياة ليست بما مرّ بك، بل كيف واجهته، وأين تركت أثرك… في الغبار؟ أم في الخلود؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »