باقلامهم
أخر الأخبار

بعض الهزائم نرتديها كوسام عز وشرف

في زمن تقاس فيه النجاحات بعدد الانتصارات، يغفل كثيرون عن حقيقة عميقة: أن بعض الهزائم ليست نهاية، بل بداية أخرى لصناعة المعنى، وأنها تحمل بين ثناياها عزًّا لا يُشترى، وشرفًا لا يُنتزع.

بعض الهزائم نرتديها كوسام عز وشرف

✍️كتبت فاطمة يوسف بصل.

في زمن تقاس فيه النجاحات بعدد الانتصارات، يغفل كثيرون عن حقيقة عميقة: أن بعض الهزائم ليست نهاية، بل بداية أخرى لصناعة المعنى، وأنها تحمل بين ثناياها عزًّا لا يُشترى، وشرفًا لا يُنتزع.

ليست كل هزيمة انكسارًا، وليست كل تراجع خيانة للحلم. أحيانًا، يُهزم الإنسان لأنه اختار الكرامة على الركوع، لأن قلبه أبى أن يساوم، ولأن مبادئه كانت أثمن من أن تُباع في أسواق النفاق. كم من وطن هُزم، لكنه لم يُهزَم، لأن أبناءه حافظوا على قضيته في صدورهم، ورفعوها كشعلة لا تنطفئ، حتى لو داسها الطغاة بالأقدام.

في غزة، على سبيل المثال، احترقت الكتب، وانهارت المكتبات، وتكسّرت أقلام الأطفال قبل أن تُكتب بها الحروف، ومع ذلك لم تسقط الهوية. هزيمة المكان لم تكن هزيمة الإنسان. بل بقيت غزة، رغم الركام، تقاوم بالحبر والدم، وتهدي العالم معنى جديدًا للنصر الحقيقي: أن تنهض كل مرة، أقوى من كل رماد.

وفي لبنان، حين اشتعلت الحرب، وقُصفت المدارس، ومُزّقت الدفاتر، ظنّ البعض أن الجيل انتهى. لكنه لم ينتهِ. بل أعاد تشكيل ذاكرته على وقع الطائرات، فصار يكتب تاريخه بالدمع والإرادة.

إن الشرف لا يُقاس بنتائج المعارك، بل بنقاء الموقف فيها. أن تخسر معركة لأنك اخترت الصدق، أشرف من أن تربحها وأنت غارق في الخداع. أن تُقصى لأنك وفيّ، أكرم من أن تُصفّق لك جماهير الزيف.

*قال تعالى:*

 كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين”(البقرة: 249)

وقد قال الشاعر:  

إذا لم يكن إلا الأسنةُ مركبًا، فما حيلةُ المضطرّ إلا ركوبُها.

 

بعض الهزائم تخلّدنا، لا لأنها أسقطتنا، بل لأنها كشفت جوهرنا أمام أنفسنا. نرتديها كالوشاح، لا خجلًا، بل فخرًا. فالهزيمة التي نحملها من أجل وطن، أو مبدأ، أو حبّ صادق، لا تُسمى خسارة… بل تُسمى مجدًا مؤجلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »