عبيدٌ بصفةٍ سياسية… أدواتٌ تمشي على قدمين!
في مواسم التغيير الكبرى، دائمًا ما يتساقط الغبار عن وجوه اعتدناها، فنكتشف أن بعض من كنا نظنهم رجال قرار… لم يكونوا سوى أوراق تعليمات تُحرَّكها أنامل لا تُرى.

عبيدٌ بصفةٍ سياسية… أدواتٌ تمشي على قدمين!
✍️ كتب الدكتور محمد هاني هزيمة محلل سياسي وخبير استراتيجي
في مواسم التغيير الكبرى، دائمًا ما يتساقط الغبار عن وجوه اعتدناها، فنكتشف أن بعض من كنا نظنهم رجال قرار… لم يكونوا سوى أوراق تعليمات تُحرَّكها أنامل لا تُرى.
هم ليسوا قادة بل “عبيد بصفة سياسية”، لا يعرفون من السياسة سوى ارتداء البدل وربطات العنق، والتقاط الصور في المؤتمرات، بينما ولاءهم معلّق على حبال الخارج، وانتماؤهم مغسول بالعملة الأجنبية.
هؤلاء لا يختلفون عن أدوات المائدة، يُستخدمون عندما يُستدعون، ويُوضعون جانبًا حين تنتهي الحاجة. تتعدد وجوههم، ولكن تتشابه وظائفهم: التوقيع دون تفكير، والتصويت دون اقتناع، وتنفيذ ما يُطلب منهم باندهاش العبيد المبهورين بمقام السيد.
فيهم من باع الوطن ليشتري تصريحًا من سفارة، ومنهم من خان شعبه ليحجز مقعدًا على طائرة القرار. هم كثيرون… تراهم يخطبون عن الحرية وقد نسوا طعمها، يتحدثون عن الكرامة وضمائرهم في غيبوبة.
كأنهم مرايا مكسورة تعكس أوهام الزعامة، بلا عمق، بلا قرار، بلا ثقل. يسارعون إلى الولاء للجهات الأقوى، يقفزون من مركب إلى مركب، ويدّعون أنهم يملكون البوصلة، بينما هم مجرد ركّاب في سفن لا يعلمون وجهتها.
والكارثة أن بعضهم يرتدي قناع “الحياد” وهو في الحقيقة أخطر من العدو، لأنه يموّه سمه داخل عسل الخطاب. وبعضهم يدّعي “السيادة” وهو لا يتحرك إلا بإشارة من الخارج، وينام في حضن المشاريع الممولة.
فأية دولة تُبنى بأدوات؟ وأي شعب يُقاد بعبيد؟
الحرية لا تُولد من بطون الخضوع، والكرامة لا تنبت في أرض الاستزلام. ومن ظن أن السياسة هي مجرد مراوغة، فاته أن التاريخ لا يحفظ الراقصين، بل الواقفين بثبات على صراط الموقف.
قال تعالى:
“أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهدى أم من يمشي سويًا على صراط مستقيم؟
لعلّنا نحتاج ثورة وعي قبل ثورة شوارع، فخطر هؤلاء لا يُواجه بالهتاف، بل بفضح الدور، وفضّح التبعية، وتعرية الأدوات من ثياب النفاق. فالوطن لا يُدار بـ”عبيد ذوي رُتب”، بل بأحرار يكتبون الكلمة وهم يحملون ثمنها.



