الدولار: من الهيمنة العالمية إلى بداية التراجع
في عام 1944، قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية بعام، كان الجيش السوفييتي على مشارف تحقيق النصر مع الحلفاء ضد النازية. في هذا السياق، عُقد "مؤتمر بريتون وودز" في ولاية نيوهامبشير الأميركية، بحضور 44 دولة، بهدف إيجاد نظام مالي عالمي يجنّب العالم الفوضى النقدية والكساد الذي ساهم سابقًا في اندلاع الحرب العالمية الثانية.

الدولار: من الهيمنة العالمية إلى بداية التراجع
✍️كتبت نوال نجم
كيف أصبح الدولار العملة العالمية؟
في عام 1944، قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية بعام، كان الجيش السوفييتي على مشارف تحقيق النصر مع الحلفاء ضد النازية. في هذا السياق، عُقد “مؤتمر بريتون وودز” في ولاية نيوهامبشير الأميركية، بحضور 44 دولة، بهدف إيجاد نظام مالي عالمي يجنّب العالم الفوضى النقدية والكساد الذي ساهم سابقًا في اندلاع الحرب العالمية الثانية.
خلص المؤتمر إلى اتفاق تاريخي تمّ بموجبه اعتماد الدولار الأميركي كعملة عالمية رئيسية، على أن يكون مرتبطًا بالذهب بسعر ثابت، حيث تساوي كل أونصة ذهب 35 دولارًا، ما جعل الدولار حينها عملة مغطاة بالذهب تُقاس عليها باقي العملات العالمية.
من عملة وطنية إلى عملة البنوك الدولية
إلى جانب هذا الاتفاق، تأسس البنك الدولي عام 1944 خلال المؤتمر ذاته، وتعهّدت الولايات المتحدة بأن يكون الدولار هو العملة الرئيسية للتعاملات الدولية، مع ضمان إمكانية استبداله بالذهب في حال حصول أي أزمة. هكذا، أصبح الدولار عملة الاحتياط الدولي المعترف بها عالميًا.
البنك الدولي
بدأ البنك الدولي أعماله رسميًا عام 1946، كإحدى المؤسسات التابعة للأمم المتحدة، وتركّز دوره على إعادة إعمار أوروبا ومعالجة الكوارث وتأهيل البنى التحتية للدول المنكوبة. يضم البنك 189 دولة عضوًا، بينما تهيمن عليه الولايات المتحدة والدول الأوروبية باعتبارهم المساهمين الرئيسيين فيه.
صندوق النقد الدولي
تأسس صندوق النقد الدولي رسميًا عام 1956، ومقرّه في العاصمة الأميركية واشنطن، ويضم 190 دولة. تُجمع أمواله عبر حصص الدول الأعضاء، إضافة إلى اتفاقيات الاقتراض الثنائية وترتيبات الائتمان. هدفه الأساسي إعادة هيكلة النظام المالي الدولي، وتقديم القروض للدول المتضرّرة التي تعاني من عجز في ميزان المدفوعات.
منذ عام 1944 وحتى اليوم، بقي الدولار العملة العالمية المعتمدة، رغم التحولات والأزمات المتعاقبة.
نكسة نيكسون الاقتصادية
في عام 1971، وخلال فترة رئاسة ريتشارد نيكسون (1969 – 1974)، شهد العالم صدمة اقتصادية عُرفت بـ”نكسة نيكسون”. بحجج اقتصادية متنوعة، أعلن نيكسون إلغاء إمكانية تحويل الدولار إلى ذهب دوليًا، منهياً عمليًا التزام الولايات المتحدة باتفاق بريتون وودز. وأصبحت الأونصة الذهبية غير مرتبطة بسعر ثابت بالدولار، لتتحول الورقة النقدية الأميركية إلى عملة غير مغطاة فعليًا بالذهب.
بحلول عام 1973، انتهى نظام بريتون وودز بحكم الأمر الواقع، لتأتي اتفاقية جديدة غير معلنة برعاية هنري كيسنجر، حيث تمّ الاتفاق مع السعودية ودول الخليج على بيع النفط بالدولار مقابل ضمانات أمنية وعسكرية، فيما عُرف لاحقًا بمصطلح “البترودولار”. وقد أسهمت هذه الاتفاقية غير المعلنة عمليًا في تثبيت الدولار كعملة رئيسية للتجارة العالمية، خاصة في قطاع الطاقة.
سياسة هيمنة الدولار عالميًا
تحوّل الدولار من مجرد أداة مالية إلى أداة سياسية أميركية بامتياز، خاصة بعد ربط احتياطات العديد من الدول بالبنك الفدرالي الأميركي، حيث تحتفظ أكثر من 65 دولة بجزء كبير من احتياطاتها النقدية لدى الولايات المتحدة على شكل سندات خزانة، ما جعلها عمليًا رهينة لسياسات الدولار وتقلباته.
هذا الربط أتاح للولايات المتحدة فرض هيمنة مالية وسياسية على العالم، من خلال تجميد أموال الدول، السيطرة على مصارفها المركزية، وإثارة الأزمات لفرض شروطها، كما حصل في دول تعتمد الدولار رسميًا مثل لبنان، أو دول تحتاج قروضًا من صندوق النقد الدولي الذي يعتمد في حساباته على وحدة الـSDRs (حقوق السحب الخاصة) المكونة من سلة عملات كبرى، وعلى رأسها الدولار، الذي لا تزال هيمنته حاضرة رغم محاولات التوازن.
ورغم ارتفاع ديون الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية بلغت 36.1 تريليون دولار، إلا أنها ما زالت تحافظ على هيمنة الدولار عالميًا، في الوقت الذي تعاني فيه دول أخرى من صعوبات في سداد ديونها المحدودة.
تراجع هيمنة الدولار: الأسباب والمؤشرات
السياسات الأميركية المثيرة للجدل، كفرض العقوبات، إثارة الحروب، تجميد احتياطات الدول، والضرائب الجمركية الباهظة، أدت إلى تراجع الثقة العالمية بالدولار، ما دفع دولًا عدة للبحث عن بدائل عملية.
أبرز هذه التحركات كان تأسيس مجموعة دول “بريكس” عام 2009 خلال قمة في روسيا، بمشاركة روسيا، الصين، البرازيل، والهند، والتي انضمت إليها دول أخى تسعى إلى إنهاء أو تقليل الاعتماد على الدولار في التجارة والاحتياطات.
أبرز ملامح هذا التغيير تشمل:
الصين تروّج لاستخدام عملتها الوطنية “اليوان” (CNY) في التجارة الدولية.
روسيا تعتمد العملات المحلية في تعاملاتها مع شركائها.
بريكس تدرس خيارات لعملة بديلة للدولار.
توسّع أنظمة المقايضة وتبادل العملات بين البنوك لتقليل الاعتماد على الدولار.
صعود العملات الرقمية كجزء من استراتيجيات البنوك المركزية العالمية.
نموّ الأسواق الناشئة التي باتت تعتمد العملات المحلية (مثل التجارة بين روسيا والهند بالروبل والروبية).
تصاعد التجارة الإقليمية بعملات غير الدولار، مثل اليورو داخل أوروبا واليوان في آسيا.
زيادة احتياطات الدول من الذهب كبديل لضمان الاستقرار النقدي.
تراجع الثقة في الدولار بسبب ارتفاع الدين الأميركي والتضخم.
نتيجة هذه التغيّرات، انخفضت نسبة التداول العالمي بالدولار من 90% إلى حوالي 57%.
هل اقتربت نهاية هيمنة الدولار؟
رغم التراجع الملحوظ، لا يزال الدولار يهيمن على نحو 60% من احتياطات النقد الأجنبي العالمية، إلا أن حصته تنخفض تدريجيًا لصالح اليورو، اليوان، والذهب، ما ينذر بتحولات جذرية محتملة في النظام المالي العالمي خلال السنوات المقبلة.



