اخبار روسيا
أخر الأخبار

منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي… نافذة روسيا على عالم متعدد الأقطاب

منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي… نافذة روسيا على عالم متعدد الأقطاب

✍️كتبت الإعلامية هند نجم 

في وقت تتغير فيه موازين القوى الاقتصادية العالمية، يبرز منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي (SPIEF) كإحدى أهم المنصات التي تعكس التوجهات الجيوسياسية الجديدة، وتُرسخ موقع روسيا كقوة اقتصادية مستقلة ومؤثرة في النظام العالمي المتغير. فهذا الحدث لم يعد مجرد تجمع لرجال الأعمال وخبراء الاقتصاد، بل تحول إلى منصة استراتيجية ترسم ملامح اقتصاد عالمي أكثر توازنًا وعدالة.

في هذا المقال، نسلط الضوء على تاريخ المنتدى، أهميته لروسيا وللدول المشاركة، دوره في كسر الهيمنة الغربية، شعاراته وتوجهاته الفكرية، إضافة إلى أبرز ملامح نسخة 2025 التي تأتي في ظل تحولات عالمية متسارعة.

منصة عالمية بتوقيع روسي: لمحة تاريخية

أُسس المنتدى عام 1997 كجزء من جهود روسيا لإعادة تموضعها في الساحة الاقتصادية العالمية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. ومنذ عام 2006، بات يُعقد تحت رعاية مباشرة من الرئيس فلاديمير بوتين، مما منحه ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا.

في بداية طريقه، كان SPIEF نافذة للاستثمار الغربي في الاقتصاد الروسي الناشئ، لكن اليوم، في ظل العقوبات الغربية والصدام مع الأطلسي، أصبح المنتدى عنوانًا للبديل الاقتصادي العالمي، حيث تتلاقى فيه رؤى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية في تحدٍ للهيمنة الغربية التي دامت لعقود.

 

أهمية استراتيجية لروسيا: تعزيز المكانة وبناء التحالفات

يُعدّ المنتدى أداة سياسية واقتصادية بامتياز، فهو لا يقتصر على توقيع الصفقات، بل يقدم للعالم صورة جديدة لروسيا كقوة قادرة على الصمود والمبادرة في آن معًا. في نسخة 2023 وحدها، وُقِّعت أكثر من 900 اتفاقية بقيمة تجاوزت 3.8 تريليون روبل، ما يؤكد أن روسيا لا تزال لاعبًا رئيسيًا رغم محاولات العزل.

 

عبر SPIEF، ترسل موسكو رسائل متعددة:

استقلال اقتصادي رغم الضغوط والعقوبات؛

تعزيز التحالفات مع القوى الصاعدة في الجنوب العالمي؛

ترويج لنموذج تنمية بديل عن النموذج الغربي النيوليبرالي، يراعي السيادة، الهوية الوطنية، والتعددية.

وهنا، لا يغيب البعد الرمزي: فالمنتدى يُعقد في مدينة سانت بطرسبورغ، عاصمة الثقافة الروسية وواجهة الحداثة السيادية.

 

منبر للدول الأخرى: شراكات خارج الإملاءات الغربية

لا يُمثل المنتدى أهمية لروسيا فحسب، بل للدول المشاركة التي وجدت فيه مساحة حرة للتفاوض والتعاون بعيدًا عن الإملاءات الغربية. 

SPIEF بات مكانًا تستكشف فيه الدول إمكانيات جديدة في مجالات الطاقة، البنية التحتية، التكنولوجيا، الزراعة، والتجارة بالعملات المحلية بدلًا من الدولار.

كما يقدم المنتدى منصة لصياغة مشاريع مشتركة بين الجنوب العالمي والقوى الآسيوية، انطلاقًا من مبادئ احترام السيادة والمصالح المتبادلة. وبهذا، فإن SPIEF لا يخلق فقط فرصًا اقتصادية، بل يُعيد رسم خريطة النفوذ في النظام العالمي الجديد.

كسر الهيمنة الغربية: البديل الروسي يتقدم

منذ 2022، وبعد فرض العقوبات الغربية غير المسبوقة على روسيا، تعزز التوجه الروسي نحو كسر الأحادية الغربية، وبرز منتدى SPIEF كمنصة مقاومة اقتصادية. في نسخة 2024، شاركت 139 دولة، بينها دول لطالما كانت مهمشة في المنتديات الغربية كزيمبابوي وبوليفيا وأفغانستان، ما يعكس اتساع رقعة الدعم للرؤية الروسية.

الرئيس بوتين لم يتردد في الإعلان عن خطوات ملموسة نحو نظام مالي عالمي بديل، بما في ذلك عمل مجموعة “بريكس” على تأسيس نظام دفع مستقل يقلص من اعتماد العالم على الدولار، ويفتح الباب لحقبة نقدية جديدة أكثر تنوعًا وتوازنًا.

 

شعارات المنتدى: موجهات فكرية لرؤية عالمية جديدة

منذ انطلاقه، تبنّى المنتدى شعارات تعكس فكر الدولة الروسية وتطلعاتها. في 2006، كان الشعار “تحديات العولمة والمزايا التنافسية للدول النامية”، وهو ما كان يعكس بداية التوجه نحو تنمية مستقلة.

أما في 2025، فجاء الشعار أكثر وضوحًا وحسمًا:

 “القيم المشتركة – أساس النمو في عالم متعدد الأقطاب”

هذا الشعار لا يكتفي بالتصريح بالرغبة في عالم جديد، بل يؤكد أن روسيا باتت في قلب هذا المشروع العالمي، داعية إلى نظام لا تقوم فيه العلاقات على الهيمنة، بل على الاحترام المتبادل والتكافؤ.

SPIEF 2025: محطة جديدة في رحلة التعددية

ينعقد منتدى 2025 من 18 إلى 21 يونيو في مركز “إكسبو فوروم” الحديث في سانت بطرسبورغ، بمشاركة أكثر من 92 دولة، على رأسها مملكة البحرين كضيف شرف رسمي، في دلالة واضحة على عمق العلاقات الروسية الخليجية.

يشمل البرنامج أكثر من 400 فعالية وجلسة حوارية تتناول قضايا مثل:

الاقتصاد الرقمي والسيادة التكنولوجية،

الطاقة المستدامة والمتجددة،

الأمن الغذائي،

إعادة بناء سلاسل التوريد بعيدًا عن الغرب.

ويشارك في المنتدى قادة دول، رؤساء شركات كبرى، وممثلو منظمات دولية بديلة مثل “بريكس” و”منظمة شنغهاي”، مما يضفي على SPIEF طابعًا مؤسسيًا متكاملاً لمشروع التعددية.

 روسيا تضع أسس نظام عالمي جديد

منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي لم يعد مجرد فعالية اقتصادية، بل أصبح منصة تعكس بوضوح التحول العميق في موازين القوى الدولية.

 في مواجهة ضغوط غير مسبوقة ومحاولات عزل ممنهجة، لا تكتفي روسيا بالدفاع عن مكانتها، بل تمضي في إعادة صياغة قواعد اللعبة العالمية على أسس أكثر عدلًا وتوازنًا.

من خلال SPIEF، تؤكد موسكو أن مستقبل العلاقات الدولية لا يُبنى على الهيمنة والإملاءات، بل على التعددية، السيادة، والمصالح المتبادلة.

 فهو ليس مؤتمرًا اقتصاديًا فقط، بل تعبير سياسي شامل عن ميلاد عالم جديد متعدد الأقطاب، تقوده قوى تحمل رؤى مستقلة عن الغرب وتملك الإرادة لتطبيقها.

روسيا، عبر هذا المنتدى، لا تطمح فقط إلى شراكات اقتصادية، بل تسعى إلى تشكيل تحالف حضاري عالمي يضع “القيم المشتركة” في قلب التنمية. 

وبهذا، فإن SPIEF يُجسد الطموح الروسي في قيادة التحول نحو نظام دولي أكثر توازنًا، يعكس مصالح الأغلبية العالمية، ويطوي صفحة التفرد الغربي إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »