خاص pravdatv
أخر الأخبار

“بين الفنجان والسياسة… تفصيل يصنع الحدث”

في السياق العربي، لا يُعدّ تقديم القهوة مجرّد طقس ضيافة، بل فعل محمّل بالمعاني الرمزية والدلالات الثقافية العميقة. فالقهوة عند العرب، وخصوصاً في الجزيرة العربية، لا تُقدَّم عبثاً، ولا يُرفض شربها بلا رسالة. إن امتناع الضيف عن شرب القهوة يُقرأ، وفق الأعراف، كإشارة إلى وجود موقف غير ودي، أو كرمز لاعتراض ضمني، أو حتى كتمهيد لحديث ثقيل يحمل العتاب أو المطالب.

“بين الفنجان والسياسة… تفصيل يصنع الحدث”

في السياق العربي، لا يُعدّ تقديم القهوة مجرّد طقس ضيافة، بل فعل محمّل بالمعاني الرمزية والدلالات الثقافية العميقة. فالقهوة عند العرب، وخصوصاً في الجزيرة العربية، لا تُقدَّم عبثاً، ولا يُرفض شربها بلا رسالة. إن امتناع الضيف عن شرب القهوة يُقرأ، وفق الأعراف، كإشارة إلى وجود موقف غير ودي، أو كرمز لاعتراض ضمني، أو حتى كتمهيد لحديث ثقيل يحمل العتاب أو المطالب.

 

في هذا الإطار، برز مشهد لافت خلال زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية ، حين قُدّمت له القهوة العربية  لكنه لم يشربها ووضع الفنجان على الطاولة ،قد يرى البعض في هذا المشهد سلوكاً بروتوكولياً عابراً أو نتاج جهلٍ بثقافة الآخر، إلا أن فقهاء الإشارة السياسية، والعارفين بأبجديات الدبلوماسية الشرق أوسطية، قرأوا في ذلك امتناعاً ذا مغزى.

عدم شرب قهوة العرب في لحظة سياسية بالغة الحساسية ليس مجرّد تفصيل، بل يمكن اعتباره شكلًا من أشكال “الدبلوماسية الصامتة”، أو حتى دبلوماسية الصدمة. فحين يلتقي الشرق بالغرب على طاولة القهوة، ويخفق الطرف الغربي في التقاط المعنى، يحدث خلل في اللغة غير المنطوقة.

 

في البيئة الخليجية، القهوة تحمل طابعاً شِبه مقدّس. من يرفضها يُلمّح، ربما دون وعي، إلى تحفظ، أو رفض ضمني للمكان أو الأشخاص أو القرارات. وحتى إن لم يكن ذلك مقصودًا من ترامب، فإن ردود الفعل التي تلت المشهد كشفت حجم ما يمكن أن تحمله التفاصيل من دلالات في المنطقة، التي تمارس دبلوماسيتها بلغات متعدّدة، منها الإشارة، ومنها الطقس، ومنها اللفتة العابرة التي تنطق بألف معنى.

 

بهذا المعنى، فإن دبلوماسية القهوة ليست من فلكلور المجاملات، بل من صلب السياسة الثقافية. إنها لغة المواقف اللامعلنة، ومرآة لما تحت الجلد الدبلوماسي. وفي زمن لم تعد فيه الكلمات وحدها كافية، تغدو فنجان القهوة أداةً للتعبير، ووسيلةً للمصارحة، وربما سلاحًا ناعمًا يحمل رسائل لا تنقلها الخطب الرسمية.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »