اخبار دولية
أخر الأخبار

حفتر في موسكو..دلالات اللقاء مع بوتين وإعادة تموضع النفوذ الروسي في ليبيا

في ظهور مفاجئ بالعاصمة الروسية موسكو، شارك القائد العام للجيش الوطنى الليبي المشير خليفة حفتر، برفقة نجله صدام حفتر، يوم 9 مايو 2025 في احتفالات عيد النصر في ذكراه الثمانين، بدعوة رسمية من الجانب الروسي. وقد جرت مراسم الاستقبال الرسمية على مستوى عال، فقد كان في استقباله في المطار نائب وزير الدفاع الروسي.  

حفتر في موسكو..دلالات اللقاء مع بوتين وإعادة تموضع النفوذ الروسي في ليبيا

تقرير تحليلي

✍️كتب الصحفي سعد خلف – موسكو

 في ظهور مفاجئ بالعاصمة الروسية موسكو، شارك القائد العام للجيش الوطنى الليبي المشير خليفة حفتر، برفقة نجله صدام حفتر، يوم 9 مايو 2025 في احتفالات عيد النصر في ذكراه الثمانين، بدعوة رسمية من الجانب الروسي. وقد جرت مراسم الاستقبال الرسمية على مستوى عال، فقد كان في استقباله في المطار نائب وزير الدفاع الروسي.  

 

ورغم الطابع الاحتفالي العلني، إلا أن هذه الزيارة، وبعد عقد لقاء مغلق بين حفتر والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اكتسبت، في رأيي، طابعا سياسيا واستراتجيا واضحا. فقد عُقد هذا اللقاء بحضور شخصيات عسكرية روسية بارزة، على رأسها نائب وزير الدفاع الروسي الجنرال يونس بك يفكوروف، الذي يعتبر الآن الذراع الروسية العسكرية الرئيسية في التنسيق في الملفين الليبي والسوري، فضلا عن الإشراف على الوجود العسكري الروسي في القارة الإفريقية.

 

وإذا بدأنا من توقيت وسياق هذه الزيارة، نرى أنها تأتي في لحظة دقيقة تشهدها الساحة الليبية، فعلى الرغم من توقف شبه كامل لأعمال الاقتتال، إلا انها دخلت في حالة من الجمود، حيث تعسر المسار الإنتخابي الموحد تحت رعاية الأمم المتحدة. والإنقسام المؤسسي بين شرق ليبيا وغربها حقيقة قائمة وعقبة كأداء، مع وجود مؤشرات على توجهات “فيدرالية كامنة” في شرق ليبيا، حيث يجري تعزيز الهياكل الإدارية والعسكرية في شرق ليبيا بقيادة حفتر، بما يكرس أمراً واقعا أشبه بحكم ذاتي، وإن كان غير معلن.

 

وفي هذه المرحلة سعت روسيا وتسعى لإعادة هيكلة وجودها وحضورها في ليبيا في مرحلة ما بعد “فاغنر”، بحيث تحول العلاقة إلى نمط مؤسسي مباشر.

 

وفي هذا السياق، فإنه للقاء بوتين وحفتر في هذه اللحظة دلالات هامة. وعلى الرغم من غياب التصريحات الرسمية التفصيلية، لإن اللقاء أُعلن، وأذاع الإعلام مقطع من بروتوكول الاستقبال، إلا أننا ورغم غياب التفاصيل نستطيع استنتاج عدة مضامين استراتيجية من هذا اللقاء:

 

– تجديد الاعتراف الروسي بشرعية خليفة حفتر كفاعل محوري ورئيسي في مستقبل ليبيا، وتحديدا في الشرق.

 

– إعادة تنظيم النفوذ الروسي من الصيغة غير الرسمية (فاغنر) إلى شراكة عسكرية وأمنية تحت مظلة ورعاية وزارة الدفاع الروسية.

 

– طرح ملفات إقتصادية كمدخل للنفوذ الناعم، وبصفة خاصة في مجالات إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية.

 

– تقديم صدام حفتر، وهذه نقطة بالغة الأهمية في رأيي، كشريك محتمل للمرحلة المقبلة، حيث التقاه بوتين مع والده، وهذا الأمر هدفه أن يتيح لموسكو الاستثمار في استقرار نسبي طويل الأمد في شرق ليبيا.

 

وإنطلاقاً مما ذكرته أعلاه، يُطرح سؤال منطقي: ما هي أبعاد الحضور الروسي في ليبيا بعد مرحلة فاغنر؟

 

كمراقب من داخل موسكو، يمكنني رصد مجموعة من المبادئ التي تتحكم في كيفية تعاطي الكرملين مع الملف الليبي:

 

– في المقام الأول، بالطبع البرغماتية المطلقة، فروسيا لم تعد تربط نفسها بتحالفات أيدلوجية أو تبعية سياسية، لا في ليبيا ولا في غيرها، بل تسعى لبناء نفوذ مع الفاعلين القادرين على تأمين المصالح الواعية.

 

– محاولة احتواء الحضور الغربي والتركي، فموسكو تتابع بحذر التحركات التركية في غرب ليبيا، وتسعى عبر حفتر لموازنة النفوذ في طرابلس من خلال عمقها في الشرق.

 

– الهندسة السياسية الهادئة: لا تميل روسيا إلى المواجهة الصريحة مع أطراف دولية في ليبيا، بل تميل إلى الهندسة الناعمة للنفوذ عبر الإقتصاد والأمن.

 

لذلك ومن واقع متابعة ملف الوجود الروسي في ليبيا بعد مرحلة فاغنر، يمكن القول أنه حدثت عملية تحول في الموقف الروسي شهدت تطوراً في أدوات “التدخل” الروسي، شمل ذلك ما يلي:

 

– إيفاد مستشارين عسكريين رسميين تابعين لوزارة الدفاع داخل ليبيا.

 

– استمرار الوجود الأمني في محيط المنشآت النفطية والبنى التحتية في الشرق بغرض التأمين.

 

– إدارة تدريجية للملف الليبي من داخل وزارتي الدفاع والخارجية، بعيداً عن القنوات الموازية.

– تحويل العلاقة مع حفتر من مجرد الدعم الميداني إلى تنسيق استراتيجي منظم ومفتوح ومعلن سياسياً.

 

إذاً، وبصفتي مراقب ولكوني مصرياً، أتساءل: ما هو موقع مصر من الحراك الروسي شرق ليبيا؟

مما لا شك فيه ولا جدال حوله لكل باحث، بل وشخص عادي، أن ليبيا تمثل عمقا استراتيجيا مباشرا للأمن القومي المصري، وعليه فإنني أرى، أن القاهرة تتابع تطورات الحضور في شرق ليبيا بعين استراتيجية مفتوحة جيدا وواعية، وتنظر إليه باعتدال، وترحب بتوزان النفوذ مع تركيا ما دام يتم بالتنسيق المشترك ولا يقوض المصالح المصرية.

 

لكنها ترفض وبشدة التحركات غير المنسقة التي قد تؤدي إلى إختلال المعادلات المحلية داخل ليبيا نفسها.. أو تلك التي قد تشكل تهديدا للمجال الحيوي المصري، خاصة مع الانكشاف الليبي على ساحات أخرى مثل السودان وتشاد والساحل.

 

كما أن القاهرة تحتفظ بعلاقات وثيقة مع قيادة الجيش الوطني الليبي، وهي حريصة، من واقع متابعتي، على أن تبقى العلاقة الروسية – الليبية في الشرق مكملة للدور المصري لا بديلة عنه.

 

من كل القراءة السابقة، وهي تحليلية لا أكثر، وجهد شخصي يعبر عن وجهة نظر مراقب، واستناداً إلى المعطيات الراهنة، يمكنني استنتاج أن زيارة المشير حفتر إلى موسكو ولقاءه مع الرئيس بوتين تحمل دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، فهي خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة ترتيب أوراق الشرق الليبي، في ضوء إنسداد الأفق السياسي العام، كما أنها بلا شك تكشف عن نية روسية لإعادة تموضع فعال داخل المشهد الليبي، وتحديدا عبر بوابة الشرق.  

 

وفي المقابل تبقى مصر الطرف العربي الأكثر اتصالاً وارتباطاً بمآلات هذا الحراك، مما يستدعي مقاربة استراتيجية مرنة… تضمن حماية المصالح المصرية، وتستثمر في التوازن الإقليمي دون انجرار لصراع نفوذ مع موسكو.. بل على العكس من ذلك قد تجد القاهرة في موسكو شريكاً لتقوية موقف شرق ليبيا دون الإنجرار إلى صدام مباشر مع تركيا أو القوى الغربية، وهو ما يندرج تحت بند ما يعرف بسياسة “التوازن الحذر”

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »