من يجرؤ؟؟؟؟
إن كان هناك من إيجابية واحدة في دخول حزب الله حرب إسناد غزة التي لا زالت تداعياتها ترخي بظلالها على المنطقة بأكملها، هي أن أنخراط المكون الشيعي منفرداً لنصرة غزة السنية في حين بقيت الانظمة العربية في موقع المتفرج ودون ممارسة أي فعل من شأنه أن يؤدي فعلاً إلى حماية أهل غزة أو حتى تخفيف الضغط عنهم، خلق حالة من التفاعل الإيجابي والتضامن العاطفي بين الشارعين السني والشيعي بما فتح بارقة أمل لدفن مشروع الفتنة السنية الشيعية التي عمل عليه الغرب وإسرائيل لفترة طويلة وسخر له إمكانات ضخمة، إلى غير رجعة.

من يجرؤ؟؟؟
كتب المحامي حسين طنانه
إن كان هناك من إيجابية واحدة في دخول حزب الله حرب إسناد غزة التي لا زالت تداعياتها ترخي بظلالها على المنطقة بأكملها، هي أن أنخراط المكون الشيعي منفرداً لنصرة غزة السنية في حين بقيت الانظمة العربية في موقع المتفرج ودون ممارسة أي فعل من شأنه أن يؤدي فعلاً إلى حماية أهل غزة أو حتى تخفيف الضغط عنهم، خلق حالة من التفاعل الإيجابي والتضامن العاطفي بين الشارعين السني والشيعي بما فتح بارقة أمل لدفن مشروع الفتنة السنية الشيعية التي عمل عليه الغرب وإسرائيل لفترة طويلة وسخر له إمكانات ضخمة، إلى غير رجعة.
لولا أن إستدرك المعنيون، وأعادوا محاولة تأجيج الفتنة ذاتها لكن من البوابة السورية.
فمشاهد المجازر التي إرتكبتها جماعات الرئيس السوري أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً) على خلفيات طائفية ومذهبية، والتي من الصعب أن تمحيها الأيام المقبلة بسهولة من ذاكرة الرأي العام، ستعيد نتأ هذا الجرح الملتهب أصلاً “بفعل عوامل عديدة سنأتي على ذكرها في متن هذا المقال”.
وطالما أن تفاعل الشارعين السني والشيعي مع هذه الأحداث، لم يأت على مستوى مقبول من الوعي بما يؤمل معه حصر تداعيات ما يحصل.
بل على العكس فإن السقوف المرتفعة من السلبية التي تسم هذا التفاعل سواء على وسائل الإعلام المرئي والمسموع أم على منصات التواصل الإجتماعي يشي بتفاقم هذه التداعيات إلى مستويات قد لا يحمد عقباها، ومن المرجح أن لا تنحصر داخل الحدود السورية، إذ لاحت علاماتها السيئة من الشمال اللبناني، مما يؤشر بأن الأمور قد وصلت إلى مستوى غير مسبوق من الخطر يستدعي التدخل بطرق غير عادية لمعالجته والحد من آثاره.
وهذا إنما يتطلب البحث بعمق عن أسباب التباعد التاريخي القائم بين هذين المذهبين، والآخذ الإتساع مع الوقت، لا سيما العقائدية منها، والبحث بجرأة أكبر عن خطوات من شأنها أن تشكل حلولاً لهذه المسألة للمرحلة القادمة.
فمن المعروف أن الخلاف العقائدي بين المذهبين لا يبدأ بإختلاف مقاربات الاحداث التي عقبت موت أو قتل الرسول محمد (ص) والسياق الذي تبعه في إدارة الحكم في الدولة الإسلامية، ولا ينتهي بواقعة كربلاء وتحميل السنة مسؤولية قتل الإمام الثالث لدى الشيعة الحسين بن علي (ع).
مع ما نتج بالتوازي مع ذلك من إختلاف بالطقوس والعبادات والاحكام مع مرور الزمن وتتالي الأحداث وإختلاف الدول والشخصيات التي حكمت بإسم الإسلام حتى إنهيار الدولة العثمانية.
كما لا يخفى أيضاً بأن دول الإستكبار العالمي، إتخذت من هذا الخلاف فرصة لوقد الصراع وتسعير نار الفتنة بين المسلمين بما يحقق مصالحها، ما يستدعي من كلا الطرفين إستنفار هورمونات الوعي الفردي والجمعي، وإتخاذ الخطوات اللازمة لتفويت الفرصة على الغرب، وبناء فرصة مقابلة بإتجاه الوحدة الإسلامية وتوحيد الصف الإسلامي.
فمن لديه إطلاع تاريخي بسيط يعلم أن مثل هذا الصراع لم يكن حصراً من نصيب المسلمين وفرقهم، فالعلاقة بين الديانة اليهودية والمسيحية لطالما كانت معقدة ومتشعبة، فالمسيحية نشأت وأخذت مفاهيمها الأولية من بيئة يهودية صرفة؛ أما عن العلاقة الإنسانية بين الطرفين فقد اتسمت بالتقلب:
بدأت مع اضطهاد اليهود للمسيحيين منذ أيام يسوع، يوحنا 22/9] ودورهم في صلبه، لوقا 2/22] ثم يذكر سفر أعمال الرسل اضطهاد اليهود للمسيحيين، أعمال 1/8-3]
ولاحقًا قام ذو نواس اليهودي بقتل مئات الألوف من المسيحيين في اليمن حسب بعض الباحثين، لكنه وبدءًا من القرن الرابع أخذت المسيحية باضطهاد اليهودية، فطرد اليهود أولاً من الإسكندرية وعاشوا خلال الإمبراطورية البيزنطية خارج المدن الكبرى، وفرض عليهم بدءًا من القرن الحادي عشر التخصص بمهن معينة؛ ثم صدر عام 1492 مرسوم طردهم من إسبانيا في حال عدم اعتناقهم المسيحية، الأمر الذي كان فاتحة طرد اليهود من أوروبا برمته.
غير أن علاقات اليهود مع الكنيسة الكاثوليكية لم تتحسن حتى عهد البابا بولس السادس، وهو بابا الكنيسة الكاثوليكية الثاني والستون بعد المائتان بين 21 يونيو 1963 و6 أغسطس 1978؛ دعي باسم «بابا الحوار» و«بابا المصالحة».
ففي 28 أكتوبر 1965 أذاع البابا وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني بعنوان « في علاقات الكنيسة مع الديانات غير المسيحية» وتطرقت إلى الإسلام واعتبرت الأكثر إيجابية وانفتاحًا في تاريخ علاقات الكنيسة الكاثوليكية مع الإسلام.
قالت الوثيقة «إن الكنيسة تنظر بعين التقدير للمسلمين الذين يعبدون الإله الواحد الحي القيوم الرحمن القدير الذي خلق السماء والأرض وكلّم الناس بالأنبياء، ويسعون بكل نفوسهم إلى التسليم بأحكام الله، كما سلّم إبراهيم الذي فخر الدين الإسلامي به»
وأشاد أيضًا بموقع يسوع وأمه مريم العذراء في الديانة الإسلامية وكذلك بخصوص التطابق تقريبًا في التعاليم حول يوم القيامة من قيامة الموتى ودينونة الله للناس فضلاً عن القواسم المشتركة العديدة في الحياة الأدبيّة والصلاة والصوم والصدقة. ودعت الوثيقة إلى تناسي «المنازعات والعداوات» التي حصلت في الماضي وترسيخ التفاهم من «أجل جميع الناس ولتحقيق العدالة الاجتماعية والقيم الروحية والسلام والحرية».
كذلك الأمر مع الديانة اليهودية الذين أشار إليهم المجمع الفاتيكاني الثاني بأنهم يتقاسمون مع المسيحيين «تراثًا مشتركًا حضاريًا وساميًا» ممثلاً بالعهد القديم، كما أقرّ ما نسب لهم من تحمل مسؤولية (دم المسيح) وذلك استنادًا إلى جملة تفاسير لاهوتية وتاريخية لنصوص الكتاب المقدس، فضلاً عن عدم الدمج بين اليهود بأسرهم ومجلس حكماء اليهود والفريسيون عمومًا الذين لعبوا الدور البارز في محاكمة يسوع وفق نصوص العهد الجديد.
فقد إستندت الوثيقة إلى إنجيل لوقا 48/23 وغيره من المواضع، لتبرئة اليهود من تهمة لاحقتهم طويلاً وهي قتل يسوع صلبًا، حيث جاء في نص الوثيقة:
“وإن تكن سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يعزى ما اقترف أثناء آلامه إلى كل اليهود اللذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز ولا إلى يهود اليوم.
إن المسيح بمحبته الفائقة قدّم ذاته طوعًا للآلام والموت بسبب خطايا جميع الناس لكي يحصلوا جميعًا على الخلاص، وهذا ما تمسكت به الكنيسة ولا تزال.”
وقد طوت هذه الوثيقة صفحة طويلة من الإضطهاد المتبادل بين أبناء الديانتين، أسست لمرحلة جديدة من التفاهم، دون المس بأساس العقائد، ورغم بقاء عدد من الإختلاقات والتناقض بالطقوس.
ومن من اللبنانيين لا يعرف الحلم الذي عمل القائد الشيعي الإمام السيد موسى الصدر على تحقيقه في لبنان والعالم العربي، المتمثل بتحقيق نوع من الوحدة الإسلامية حيث زار الأزهر في مصر وألتقى عدداً من رجال الدين في مصر وعدد من الدول العربية في محاولة لتضييق مساحة الإختلاف، والبناء على المشتركات، وإعتماد خطاب جامع مؤكدا أنه : ” لا يوجد تسنن ولا تشيع ” معتبراً ” أن التسنن مبالغة في الأموية والتشيع مبالغة في الصفوية وأن للشيعة وجهة نظر خاصة في سلوك الأئمة” إلا أنه لم يقدر له أتمام هذه المهمة بسبب إختطافه وتغييبه قصراً عن ساحة جهاده.
كما لا يمكن لاحد أن يغفل نهج وخطاب الزعيم الشيعي رئيس مجلس النواب اللبناني “نبيه بري” المكمل لخطاب الإمام الصدر، حيث لم يفوت فرصة للتعبير عن أنه “شيعي الهوية سني الهوى” مترجما هذا الخطاب في مسيرته السياسية والحزبية.
إن هذا النوع من الخطاب هو المطلوب من الجميع في المرحلة الراهنة، ولو جاء متأخراً، فعلى أحدهم أن يتحلى بالجرأة لطرح مبادرة شبيهة بما قام به البابا بولس السادس، وحث المرجعيات الشيعية إذا لم تتداعى من تلقاء نفسها إلى عقد مؤتمر شيعي يخلص بنهايته إلى حكم بعدم تحميل السنة مجتمعين مسؤولية قتل الحسين (ع) والأحداث التاريخية الخلافية الأخرى، بناء على نص الأية القرآنية: ” ولا تزر وازرة وزر أخرى” وتجاوز نص الرواية التي وردت في زيارة عاشوراء:
” لعن الله أمة قتلت ولعن الله أمة ظلمتك ولعن الله أمة علمت بذلك ورضيت به” المنسوبة إلى الإمام الباقر (ع) والمروية عند الجميع عن علقمة بن محمد الحضرمي، طالما أن الفقه الشيعي يؤكد أنها رواية مرسلة وليس مثبتة بدليل إضطرار عدد كبير من رجال الدين الشيعة إلى بذل الجهد ونشر كتب لتبيان سند واضح لها.
ويعد الحديث المرسل في الفقه الشيعي، أحد أنواع الحديث الضعيف، ويعني المرسل لغة، هو الإطلاق من غير تحديد، أما اصطلاحا فما رواه عن المعصوم من لم يدركه.
فيما تكثر أنواع الحديث بحسب تصنيف الفقه المذكور إلى حديث متواتر أو حديث مستفيض أو معتبر أو حسن أو ضعيف أو موضوع أو مرسل والخ.
وهنا يطرح سؤال عميق حول جدوى تحميل المسلمين لبعضهم تبعات أحداث تاريخية، لن تؤثر على ممارساتهم لعقائدهم الدينية فيما لو مورست تقرباً إلى الله دون إستثمارها في السياسة والمصالح الضيقة.
والسؤال الاعمق والاهم هو:
من يجرؤ على طرح مثل هذه المبادرة، وقيادة الجمهورين لما فيه صلاح الدين والامة؟
من يجرؤ على الدفع بإتجاه مصالحة تاريخية بين السنة والشيعة لتحقيق حلم الامام الصدر بوحدة إسلامية تفوت الفرصة على اسرائيل بتحويل المنطقة الى اسرائيليات لتشرع وجودها، وتشكل سدا منيعاً أمام فتنة قد تتحول الى حمام دم؟.
من يجرؤ على وضع حد للأقلام المسمومة، وأبواق الفتنة، ويوجه الجمهور بخطاب جمعي وتوحّدي؟.



