كتب وائل المولى:لعنة الانتصارات السهلة
يبقى السؤال الحاسم: هل ستتعظ القوى المتغطرسة من التاريخ، أم ستدفعها نشوة الانتصارات السهلة إلى تكرار أخطاء من سبقوهم، حتى يسقطوا كما سقطوا؟

▪️ لعنة الانتصارات السهلة
✍️ كتب وائل المولى – كاتب وصحافي
اعتقال رئيس دولة حيّ بالقوة الأجنبية ليس دليل قوة، بل لحظة غرور تاريخي تمهد للسقوط.
الإمبراطوريات التي تصل لذروة سلطتها تميل إلى الاعتقاد أن القانون خُلق لغيرها، وأن القوة تعفيها من الحساب. التاريخ يعلمنا أن الانتصارات السهلة ليست مجدًا، بل بداية الانحدار.
من نورييغا في بنما، إلى صدام حسين في العراق، وصولًا إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يتكرر المشهد: قوة عظمى تستخدم اعتقال الرؤساء كإنجاز، وتغفل أن كل انتصار سريع يزرع أعداء أكثر مما يحقق استقرارًا.
ما يحدث اليوم في فنزويلا يكشف المنطق الجديد للولايات المتحدة بقيادة ترامب: “سنحصل على كل ما نريد ولو بالقوة”.
وعلى ذات النهج يسير نتنياهو في الشرق الأوسط. لم يعد هناك مكان لـاللعبة السياسية النظيفة.
الهيمنة والقوة هي الأساس، والمشروع الاستراتيجي قائم على تغيير خرائط وموازين القوى، في الشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية، وكل دولة غنية بالثروات أو ذات موقع جيوسياسي مهم.
هذه المعادلة تمثل ولادة منطق دولي جديد، حيث تُدار العلاقات بالقوة المباشرة، بعيدًا عن القانون الدولي والتوازن التقليدي. الصين، في هذا المنطق، هي المتضرر الأكبر. والسؤال الأهم:
هل سيقتصر ردها على الدبلوماسية والحسابات الاقتصادية، أم أن الهيمنة الجديدة ستجبرها على إعادة رسم استراتيجياتها على نطاق عالمي؟
تركيا كذلك الأمر بسبب علاقتها الاقتصادية مع فنزويلا، وكذلك الأمر بالنسبة لإيران وروسيا حيث العلاقات المشتركة قائمة في كافة المجالات.
التاريخ يقدم درسًا صارخًا: الإمبراطور الروماني أورليان اعتقل زنوبيا ملكة تدمر وساقها أسيرة إلى روما. بدا أن القوة الرومانية بلغت ذروتها، لكن أورليان اغتيل بعد سنوات قليلة، ولم تنقذه انتصاراته السريعة من مسار الانحدار الطويل للإمبراطورية.
الدرس واضح: الإمبراطوريات لا تسقط أمام خصم قوي فقط، بل حين تعتاد الانتصار السهل، وتمزج بين الهيبة والقسر، وبين الشرعية والخوف.
القوة تتحول من حماية إلى عبء، ومن استقرار إلى سبب دائم للصراع.
الرسالة اليوم واضحة: العالم يُدار بمنطق الغالب والمغلوب. وكل من يعتقد أنه فوق التاريخ يكتشف متأخرًا أن التاريخ لا ينسى، ولا يغفر.
يبقى السؤال الحاسم: هل ستتعظ القوى المتغطرسة من التاريخ، أم ستدفعها نشوة الانتصارات السهلة إلى تكرار أخطاء من سبقوهم، حتى يسقطوا كما سقطوا؟



