اخبار دولية
أخر الأخبار

بين كتبٍ تُوزَّع… ونارٍ تُحضَّر: المنطقة على حافة الحريق

ليست كل الهدايا بريئة، ولا كل ما يُوزَّع باسم الدين خارج الحسابات السياسية. فعندما تصل مئات آلاف النسخ من المصحف الشريف، ومعها عشرات آلاف الكتب الدينية ذات التوجّه التكفيري، إلى منطقة حدودية هشّة كشرق سوريا، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا الآن؟ ولماذا هذه الجغرافيا تحديدًا؟

بين كتبٍ تُوزَّع… ونارٍ تُحضَّر: المنطقة على حافة الحريق

✍️ كتب عمر حمد – باحث في الشؤون الاستراتيجية

ليست كل الهدايا بريئة، ولا كل ما يُوزَّع باسم الدين خارج الحسابات السياسية. فعندما تصل مئات آلاف النسخ من المصحف الشريف، ومعها عشرات آلاف الكتب الدينية ذات التوجّه التكفيري، إلى منطقة حدودية هشّة كشرق سوريا، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا الآن؟ ولماذا هذه الجغرافيا تحديدًا؟

الشرق السوري، الممتد من دير الزور حتى الحدود العراقية، ليس ساحة دعوية معزولة، بل عقدة أمنية شديدة الحساسية. تاريخيًا، استُخدم هذا الشريط كممر استراتيجي، وساحة تصفية حسابات إقليمية، ومختبرًا لإعادة إنتاج التنظيمات المتطرفة كلما دعت الحاجة. من هنا، فإن أي نشاط ديني واسع خارج إطار الدولة الوطنية ومؤسساتها، لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأشمل.

أما العراق، فالصورة أكثر تعقيدًا وخطورة. الحديث المتداول عن “عودة رمزية” لمرحلة صدامية بوجه جديد، ليس سوى محاولة لخلط الأوراق وخلق اصطفافات هجينة، في لحظة يُراد فيها إشغال الداخل العراقي بصراعات الهوية والذاكرة، بدل التركيز على السيادة والاستقرار وبناء الدولة.

ما يجري اليوم ليس تفصيلًا عابرًا، بل جزء من إعادة ترتيب عميقة للمنطقة. الأولوية واضحة: إضعاف إيران، تشتيت ساحاتها، وإغراق بيئاتها الحيوية بفوضى غير مباشرة. العراق في قلب هذا الاستهداف، وسوريا ليست سوى الممر والخاصرة الرخوة. أما الأدوات، فلم تعد جيوشًا فقط، بل خطابًا دينيًا أحادي القراءة، قادرًا على تفكيك المجتمعات من الداخل دون ضجيج.

إعادة تنشيط الجماعات المتطرفة على الحدود السورية–العراقية لا تحتاج إلى إعلان. يكفي ضخ خطاب متشدد في بيئة منهكة اقتصاديًا وأمنيًا، ليبدأ التحلل ببطء. تجربة داعش لم تكن استثناءً، بل نموذجًا قابلًا للاستنساخ متى توفرت الشروط: فقر، فراغ، تعب اجتماعي، وعقيدة مُسيَّسة.

في المقابل، يُعاد رسم المشهد عسكريًا. الجنوب السوري بات تحت رقابة إسرائيلية مباشرة، من جبل الشيخ حتى تخوم درعا، مع استعداد دائم للتدخل وفرض الأمر الواقع. ما ترسمه إسرائيل يتجاوز الردع إلى تثبيت نفوذ طويل الأمد، يطوّق جنوب لبنان من جبل الشيخ إلى دير العشائر ويعيد هندسة الجغرافيا الأمنية للمنطقة.

سياسيًا، لا يمكن فصل التفاهمات التي جرت بين السلطة بدمشق مع التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب عن هذا السياق. في الحساب الإسرائيلي، لم تعد هذه الاتفاقيات محصورة بمحاربة الإرهاب، بل تحوّلت إلى غطاء أمني لتجفيف أي قدرة مقاومة، وتسهيل الضغط على حزب الله، عبر ضبط الجغرافيا ومنع تشكّل بيئات حاضنة. سوريا هنا لم تُترك لتستعيد سيادتها، بل أُديرت كساحة ضمن بنك أهداف إقليمي.

وفي الشمال، تُحضَّر معركة بين الأتراك والأكراد. هذا الصراع يُنظر إليه إسرائيلية كفرصة استراتيجية: إشعال نار داخل تركيا يعني استنزاف دولة إقليمية كبرى وإبعادها عن أي دور ضاغط في معادلة الشرق الأوسط الجديد.

أما الساحل السوري، فالمطلوب ليس استقرارًا بل فتنة مُدارة. تضخيم خطاب “الفلول” أداة سياسية لشدّ العصب السني وإخافته من عودة النظام، وتبرير الإجراءات الاستثنائية، وإبقاء المجتمع في حالة خوف دائم. الفتنة هنا ليست انحرافًا، بل وظيفة محسوبة.

في عقل بنيامين نتنياهو، لا تُدار المنطقة بحروب شاملة فقط بل بتفجير الساحات من الداخل، وتحويل الدول المحيطة بإسرائيل إلى كيانات مُنهكة، منقسمة، ومشغولة بصراعاتها. لا سلام في هذه الرؤية، بل فوضى مُدارة.

التحذير واضح: من لا يقرأ هذا المشهد اليوم، سيجده غدًا واقعًا مفروضًا. ومن يظن أنه بعيد عن النار، سيفاجأ بأنها اشتعلت في داخله. الشرق الأوسط الذي يُراد لنا ليس شرق الاستقرار، بل مسرح أزمات دائمة… ومن لا يكسر هذه الحلقة، سيبقى وقودها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »