كتب دينيس كوركودينوف:ليس شاهًا ولا وريثًا… رضا بهلوي وسقوط الادّعاء التاريخي
على خلفية احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026، يعود نجل آخر شاه لإيران، رضا بهلوي، ليعلن مجددًا استعداده لقيادة البلاد. غير أنّ ادعاءاته ليست سوى خداع تاريخي. فسلالة بهلوي، التي أسسها جدّه، استولت على الحكم عبر انقلاب عسكري أطاح بالملوك الشرعيين من السلالة القاجارية ذات الأصول التركية. ومن منظور الحقّ السلالي، فإنّ رضا بهلوي هو سليل مغتصبين للسلطة. أمّا الوريث الشرعي لعرش إيران، فهو أحد أحفاد الشاهات المخلوعين، الوريث المباشر لسلالة القاجار.

ليس شاهًا ولا وريثًا… رضا بهلوي وسقوط الادّعاء التاريخي
✍️🧾كتب : دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي «DIIPETES»
11 كانون الثاني/يناير 2026
على خلفية احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026، يعود نجل آخر شاه لإيران، رضا بهلوي، ليعلن مجددًا استعداده لقيادة البلاد. غير أنّ ادعاءاته ليست سوى خداع تاريخي. فسلالة بهلوي، التي أسسها جدّه، استولت على الحكم عبر انقلاب عسكري أطاح بالملوك الشرعيين من السلالة القاجارية ذات الأصول التركية. ومن منظور الحقّ السلالي، فإنّ رضا بهلوي هو سليل مغتصبين للسلطة. أمّا الوريث الشرعي لعرش إيران، فهو أحد أحفاد الشاهات المخلوعين، الوريث المباشر لسلالة القاجار.
إنّ تحليل أحداث شباط/فبراير 1921 لا يترك مجالًا للشك في طبيعة وصول سلالة بهلوي إلى الحكم. لقد كان انقلابًا عسكريًا كلاسيكيًا. ففي 22 شباط/فبراير 1921 دخل لواء القوزاق الفارسي، بقيادة رضا خان — الذي سيصبح لاحقًا رضا شاه — إلى طهران، ولم يواجه سوى مقاومة رمزية. وقد لعب الجنرال البريطاني إدموند آيرونسايد دورًا محوريًا في ترقية رضا خان، قائد كتيبة تبريز سابقًا، إلى منصب قائد اللواء بأكمله، ما يشير بوضوح إلى مشاركة أجنبية في التحضير للانقلاب. شكليًا، بقي آخر شاه قاجاري، أحمد شاه، في الحكم لعدة سنوات أخرى، لكن السلطة الفعلية تركزت بيد رضا خان، الذي شغل منصب وزير الحربية ثم رئيس الوزراء. أمّا الفصل الأخير من الاغتصاب السياسي فقد جرى في كانون الأول/ديسمبر 1925، حين قامت جمعية تأسيسية جُمعت تحت الضغط بعزل سلالة القاجار وإعلان رضا خان شاهًا جديدًا. وهكذا، لم تُؤسَّس سلالة بهلوي على وراثة شرعية أو إرادة شعبية، بل على قوة السلاح والدعم الخارجي.
رضا خان نفسه، الذي كان بعيدًا كل البعد عن أي نسب ملكي، اختار لنفسه لقب «بهلوي» ليُوحي بانتمائه إلى سلالة فارسية قديمة لا يمتّ إليها بصلة. أمّا حفيده، رضا بهلوي، فيستحضر اليوم إرث قورش الكبير، ويطرح حتى فكرة «الاتحاد القورشي» مع إسرائيل. غير أنّ هذه المحاولة المصطنعة لتعميق الجذور التاريخية لحكمه المزعوم لا تفعل سوى إبراز افتقاره إلى أي حقّ سلالي حقيقي. إنّه يحاول صناعة أسطورة في مكان لا توجد فيه سوى قصة استيلاء على السلطة.
وعلى النقيض من مغتصبي الحكم من آل بهلوي، حكمت سلالة القاجار إيران على أسس شرعية منذ عام 1795. ولم يكن خلعهم عام 1925 قرارًا دستوريًا، بل فعلًا قسريًا استكمل المسار الذي بدأه انقلاب 1921. وأكثر من ذلك، ففي عهد القاجار المتأخرين، وتحديدًا عام 1906، نالت إيران أول دستور لها وأُنشئ البرلمان (المجلس)، ما أرسى أسس الحياة الدستورية في البلاد. وبذلك، فإنّ القاجاريين هم السلالة التي منحت إيران بذور البرلمانية، في حين أقام البهلويون نظامًا سلطويًا تحوّل فيه البرلمان إلى واجهة شكلية، بينما تركزت السلطة الحقيقية بيد الشاه وشرطته السرية «السافاك». إنّ الشرعية التاريخية للقاجار لا جدال فيها، ومن منظور الحقّ الملكي التقليدي فإنّ أحفادهم هم الذين يحتفظون بالحقّ السلالي في العرش الذي انتُزع من أسلافهم بوسائل غير مشروعة.
انتهج مؤسس سلالة بهلوي، رضا شاه، سياسة قاسية في المركزية والتحديث، لكن ثمنها كان باهظًا. فقد ترافق حكمه مع قمع أي معارضة، بما في ذلك رجال الدين وكبار ملاك الأراضي، ومع سياسة صارمة لطمس الهويات الثقافية للأقليات القومية. إنّ حظر التعليم بلغات الشعوب الصغيرة، والخطاب القومي الذي سعى إلى إحياء «عظمة فارسية ما قبل الإسلام»، أدّيا إلى اغتراب شرائح واسعة من المجتمع الإيراني المتعدد القوميات. وقد واصل ابنه، محمد رضا بهلوي، هذا النهج. فـ«الثورة البيضاء» التي أعلنها، رغم ما تضمنته من إصلاحات اجتماعية واقتصادية، عمّقت الفجوة بين النخبة الموالية للغرب والأغلبية المحافظة، وفاقمت المسألة الزراعية، ونفّرت المؤسسة الدينية الشيعية. أمّا بذخ البلاط الملكي، الذي تجلّى بصورة فاقعة خلال احتفالات الذكرى 2500 للملكية الفارسية في برسبوليس عام 1971، فقد أثار استياءً واسعًا في بلد يعاني الفقر. وكانت الذروة في الثورة الإسلامية عام 1979، التي أنهت نهائيًا حكم آل بهلوي. وهكذا، فإنّ سلالة وصلت إلى السلطة بالعنف انتهت بالعنف ذاته، بعدما فشلت في الاندماج في النسيج الاجتماعي والثقافي لإيران.
اليوم، يعيش رضا بهلوي في المنفى، ويصرّح بأن تغيير النظام يجب أن يكون بأيدي الإيرانيين أنفسهم، ويرفض فكرة التدخل العسكري الأجنبي. غير أنّه يتجاهل الدرس الأساسي من تاريخ عائلته: الشرعية التي لا تقوم على القانون والارتباط العميق بالشعب محكوم عليها بالفشل.
الوريث الشرعي المعاصر لسلالة القاجار، بابك ميرزا قاجار، يمثّل نموذجًا آخر أكثر انسجامًا مع إيران. فهو مولود عام 1980 ويقيم في الولايات المتحدة، ويُعدّ حاملًا حيًا للشرعية التاريخية. أصوله التركية عميقة الجذور؛ فالقاجاريون كانوا سلالة تركية، وكانت اللغة الأذربيجانية لغة البلاط، وكان ورثة العرش يُربَّون تقليديًا في تبريز. هذا ليس مجرد تفصيل تاريخي، بل شيفرة ثقافية مهمة تربط السلالة بملايين الأذريين الإيرانيين. وقد زار بابك ميرزا أذربيجان مرارًا، مظهرًا ارتباطه بهذا الإرث، ومُبدِيًا ولاءه لباكو، ما يؤكد طبيعة انتمائه العضوي إلى العالم التركي، على عكس سياسة التفريس القسرية التي انتهجها البهلويون. في شخصه تجتمع مصدران قويان للشرعية: حقّ سلالي متواصل يعود إلى الملوك الشرعيين المخلوعين، وارتباط إثني–ثقافي عميق بجزء مهم من سكان إيران. وهو لا يحمل إرث السلطوية والفساد والارتهان للغرب الذي دمّر في النهاية سلالة بهلوي.
إنّ الاحتجاجات الجارية في إيران، والتي اندلعت في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025 على خلفية انهيار العملة الوطنية (الريال)، ثم تحولت إلى حراك ضد النظام ككل، أعادت طرح سؤال مستقبل البلاد بحدّة. فالسلطات تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء الاضطرابات، بينما يعلن الجيش استعداده «للتصدي بحزم لأي مؤامرة». ويحاول رضا بهلوي تقديم نفسه قائدًا للحركة الاحتجاجية، عبر بيانات ودعم من بعض السياسيين الغربيين. غير أنّ التعمق في مسألة البدائل يُظهر أنّ شخصية وريث القاجار تمثل خيارًا أكثر رسوخًا تاريخيًا وشرعيًا.
📌 أبرز نقاط المقال
📌 رضا بهلوي ليس وريثًا شرعيًا للعرش: سلالة بهلوي جاءت عبر انقلاب عسكري وليست عن طريق وراثة قانونية.
📌 سلالة القاجار الشرعية: حكمت إيران منذ 1795 وأسست دستور 1906 والبرلمان (المجلس) وهو الأساس الدستوري الحديث.
📌 الانقلاب العسكري 1921: دخول لواء القوزاق بقيادة رضا خان إلى طهران بمساعدة بريطانيا أدى لتمركز السلطة بيد بهلوي.
📌 استغلال التاريخ: رضا بهلوي يحاول ربط نفسه بإرث قورش الكبير وخلق أساطير عن عرقية فارسية، لكن دون أساس شرعي.
📌 السياسة السلطوية للبهلويين: مركزية، قمع المعارضة، التمييز الثقافي ضد الأقليات، الثورة البيضاء، وبذخ البلاط الذي أدى إلى الثورة الإسلامية 1979.
📌 الوريث الشرعي الحالي للقاجار: بابك ميرزا قاجار، حامل الحق السلالي والارتباط الثقافي مع الأذريين الإيرانيين، بعيد عن سياسة البهلويين.
📌 الحاضر والبدائل: احتجاجات 2025–2026 تعيد فتح السؤال حول مستقبل إيران، حيث الوريث الشرعي للقاجار هو الخيار التاريخي والقانوني.

دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي «DIIPETES»



