وسائل إعلامية.. فتاكة لكنها مرخّصة!
منذ فجر الخليقة، مرورًا بمراحل التواصل المجتمعي الأولى، ثم نشوء المؤسسات، كانت لغة الإعلام تعبّر عن جوهر العملية التواصلية في بُعدها الإخباري والإشهاري. غير أنّ اتساع الأفق وتضارب المصالح واحتدام المنافسة والخصومة، أدّى إلى تحوّل الإعلام من وسيلة تواصل إلى سلاحٍ في صراع النفوذ والمصالح، فبات جزءًا من منظومة الحرب بين الأطراف المتخاصمة، بمعزلٍ عن التقييم الأخلاقي لتلك الحرب؛ أكانت “خيرة” أم “شريرة”.

⚡ وسائل إعلامية.. فتاكة لكنها مرخّصة!
✍️ بقلم: الكاتب والصحفي حسين الذكر
منذ فجر الخليقة، مرورًا بمراحل التواصل المجتمعي الأولى، ثم نشوء المؤسسات، كانت لغة الإعلام تعبّر عن جوهر العملية التواصلية في بُعدها الإخباري والإشهاري. غير أنّ اتساع الأفق وتضارب المصالح واحتدام المنافسة والخصومة، أدّى إلى تحوّل الإعلام من وسيلة تواصل إلى سلاحٍ في صراع النفوذ والمصالح، فبات جزءًا من منظومة الحرب بين الأطراف المتخاصمة، بمعزلٍ عن التقييم الأخلاقي لتلك الحرب؛ أكانت “خيرة” أم “شريرة”.
ومع مرور العصور وتناوب الحضارات، لم يعد الإعلام مجرّد وسيلةٍ ناقلةٍ للخبر، بل أصبح سلاحًا لا يقلّ فتكًا عن الأسلحة التقليدية في تحقيق أهداف الدول، خصوصًا تلك العابرة للحدود والمخترقة لمفهوم الجنسية، التي تسعى لفرض مصالح جماعات محدّدة عبر أدوات ناعمة تتغلغل في الوعي الجمعي وتعيد تشكيل الرأي العام.
🎭 الإعلام بين النظرية والتوظيف السياسي
تحت وطأة هذا الدور الخطير، بدأ مفكّرو الإعلام والغزو الثقافي يبحثون عن أغطية فكرية وعناوين مموّهة تخفف من النظرة السوداوية للدور الإعلامي المتغلغل والمؤثر. فظهرت نظريات “الإعلام الرأسمالي” و“الإعلام الاشتراكي” و“الإعلام التنموي”، وسواها من التقسيمات الجزئية، لكنها جميعًا لم تنجح في إخفاء الأهداف الحقيقية الكامنة خلف تلك الشعارات.
فخلف هذه الواجهات الأيديولوجية تختبئ أجندات سياسية صريحة لا تتورع عن الاعتراف بالمبدأ القديم الجديد: «الغاية تبرّر الوسيلة». وهكذا صيغت لغة الإعلام بلُغة الظلام، تُكتب خلف الأستار وبأعماق النوايا، وتُحرّر بحرفنة عالية تجمع بين البعد النفسي والمعنوي والدعائي والأمني. ثم تُقدّم للجمهور في قالبٍ جميلٍ بعد أن تُمرّر عبر أحدث تقنيات التزويق والتجميل، لتظهر بمظهرٍ مغايرٍ تمامًا لما تحتويه من مضامين أو تستهدفه من آفاق، يصعب على الشعوب المغلوبة أو المتخلفة إدراكها أو تفكيك رموزها.
⚠️ حين تضعف الدولة.. ينفلت الإعلام
وحين تضعف مركزية الدولة في أيّ زمانٍ أو مكان، يُخترق جدار الصمت، وتتفكك عقد التلعثم، وتنحلّ أسرار الكتمان، لينطلق مارد المشاعر والطموحات الجامحة في أقوى تجلياتها، الجسدية والشهوانية، بحثًا عن إشباع صوت الحرمان العام. ومع هذا الانفلات، تكتسب مؤسسات الإعلام لونًا خاصًا يعكس طبيعة مؤسسيها ومموليها، في زمن “اللانظام”، حيث يصبح التعبير عن الذات أو المصلحة الفردية حقًّا متاحًا، ولو على حساب الحقيقة.
وفي مشهدٍ هزليٍّ مبكٍ لا يليق بالديمقراطية المزعومة أو الحرية المنشودة في الأنظمة الهشّة، يسود الهرج والمرج كلما ضعفت الدولة واهترأت مؤسساتها. عندها يعمّ التدليس والتزوير والكذب، ويتحكم التخريب بمفاصل الإعلام، فيغدو التشويه هو الأصل، إلى أن تظهر دكتاتورية جديدة تُخرس الألسن، وتمنع الصوت الآخر، ولا تسمح إلا لإعلامها الممول والمدعوم.
وهكذا تستمر الدائرة المغلقة: من فوضى إعلامية إلى دكتاتورية جديدة، في مشهدٍ يعكس أزمة أخلاقية وفلسفية عميقة في مفهوم الإعلام ذاته.
🧩 تصنيف وسائل الإعلام في المشهد الراهن
بهذا المشهد المترهل يمكن تقسيم وسائل الإعلام إلى ثلاث فئات رئيسية:
- وسائل موجهة:
تُضَخّ لها الأموال وتُرفَع فيها الشعارات، ولا تسعى إلا لتحقيق أهداف المؤسسة المالكة، بمعزل عن مضمون ما يُقال أو يُنشر على شاشاتها ومنصاتها. شعارها الدائم: «الغاية تبرّر الوسيلة».
ولا يهمها إن لبست ثوب القداسة أو تقمّصت لباس العهر، فالمهم أن تصل إلى هدفها. وغالبًا ما تكون هذه الوسائل “صفراء”، تبحث عن الإثارة والفضائح لتغطية ملفات أخرى أكثر أهمية. - وسائل رسمية أو شبه رسمية:
تشبه حال الحكومات الضعيفة التي تنتج برامجها وآلياتها ضمن علاقات محدودة لا تتجاوز حدود الذات. تأثيرها محدود لأنها تعتمد على إعلامٍ خبريٍّ تقليدي يتماشى مع الذوق العام، ولا يُسمح لها بتجاوزه. فهي واجهة شكلية أكثر منها أداة تأثير حقيقي. - وسائل مستقلة ضمن حدود ضيقة:
تسعى لنشر المعرفة التربوية والأخلاقية والاجتماعية تماشياً مع الواقع الديني والعرفي القائم. هي إعلام تثقيفي بحت، لا يمتلك القدرة على التأثير في الرأي العام أو تحريك الشارع، رغم نقاء أهدافه ومحدودية تمويله.
وهكذا، يبقى الإعلام – بكل أشكاله – مرآةً لواقع المجتمعات، وسلاحًا فتاكًا بيد من يملكه ويُحسن استخدامه، لكنه سلاح مرخّص… يحمل في طياته شرعيةً شكلية، وفتكًا حقيقيًا لا يقل عن أقوى الأسلحة المدمّرة في الميدان.
—



