جبل لا ينكسر… السويداء بين المجد والمجزرة
في الجنوب السوري، حيث تمتد الجبال كأنها صدور العز، تنهض السويداء، لا بوصفها مدينةً فقط، بل ذاكرةً نابضة، ومرقدًا لحضاراتٍ تعاقبت فوق ترابها، منذ فجر التاريخ وحتى لحظته الراهنة المضرجة بالدم والدهشة.

جبل لا ينكسر… السويداء بين المجد والمجزرة
✍️📰كتبت الإعلامية هند نجم
في الجنوب السوري، حيث تمتد الجبال كأنها صدور العز، تنهض السويداء، لا بوصفها مدينةً فقط، بل ذاكرةً نابضة، ومرقدًا لحضاراتٍ تعاقبت فوق ترابها، منذ فجر التاريخ وحتى لحظته الراهنة المضرجة بالدم والدهشة.
هنا، لا تزال الكهوف الأثرية تنطق بما سكنها من بشر أولين، وتروي، بصمتٍ صلب، حكايات عن عصورٍ بدأت من العصر الحجري، وتشكلت عبر الأنباط والرومان واليونان والبيزنطيين، وانعكست شواهدها في المعابد والبوابات والحمامات والقصور والكنائس والنيارح، التي ما زالت ماثلةً للعيان كأنها تأبى الرحيل.
عُرفت السويداء يومًا بـ”فينيقيا الثانية”، وحملت اسم “سوادا” في الحقبة النبطية، لكنها، في جوهرها، كانت دومًا الحصن الذي لا ينكسر.
وفي هذه الجبال، حيث الهواء مشبعٌ بالتاريخ، يشكّل الدروز الأغلبية الساحقة من السكان، إلى جانب أقليات مسيحية وبدوية، يعيشون معًا فوق ارتفاعٍ يلامس السماء، تتجاوز قممه الـ1000 متر عن سطح البحر.
من هنا، من جبل الدروز، انبثقت الثورة السورية الكبرى قبل مئة عام بقيادة سلطان باشا الأطرش، حين كان الاستقلال حلمًا قاب قوسين. ومن هذه الجبال دُحرت جيوش فرنسا، رغم سطوتها، وأذهل صمود أهل الجبل كبار قادتها.
قال أحد الضباط الفرنسيين آنذاك:
“لم نكن نتصوّر أن جبالًا قليلة السكان يمكن أن تهزّ عرش إمبراطورية… لكننا واجهنا شعبًا لا يموت إلا واقفًا.”
حتى في زمن العثمانيين، ورغم التوتر، لم تُخفِ الدولة احترامها لشجاعة هذا الجبل وتمسّكه بحريته الروحية والثقافية.
واليوم، بعد مضي قرن على ثورة الأطرش، الذي آمن بأن “الدين لله والوطن للجميع”، تعود الحرب إلى أرض السويداء، لكنها ليست كالسابق. لم تأتِ الجيوش الغازية من وراء البحار، بل خرجت من قلب العتمة، جماعات تكفيرية متوحشة، تتدثّر بالدين وتخفي تحت عباءته سكاكين الذبح والحرق، اقتحمت الجبل وقتلت وسبت وحرقت، وسط صمتٍ عربي ودولي خذل الأبرياء، وتواطؤ من قوى تُفترض أنها راعيةٌ للشرعية، لكنها لم ترفع صوتًا حين أُزهقت الأرواح.
لأعوام، كانت السويداء غائبة عن خريطة الاهتمام، لكنها اليوم تعود، لا كضحيةٍ فقط، بل كجراحٍ مفتوحة تنزف تحت سطوة المجازر. فالمشهد لم يعد يحتمل التأويل: دماء الأبرياء سالت على عتبات القرى، والأرض الطيّبة صارت مسرحًا للذبح على الهوية، في ظل صمتٍ عربي ودولي معيب، وتواطؤ من قوى يُفترض أنها حامية للشرعية، لكنها غضّت الطرف حين سُحلت الكرامات وأُزهقت الأرواح.
فهل تكون هذه الدماء الزكية بدايةً لانفجار الحقيقة؟
وهل تكفي شرعية عربية أو غربية منحازة للشرع لا للعدالة، كي تفرض حكمًا على وطنٍ يتفتت تحت أقدام القتلة؟
لقد أراد أبناء الجبل دولة مدنية، لا طائفية، لا عسكرية، تحترم الحريات، وتكفل المساواة، وتضمن الشراكة الحقيقية لكل السوريين. لم يطلبوا امتيازات، فقط وطنًا يشبههم.
لكن… أي مشروعٍ جاء به “الشرع”؟ وأي مستقبل يُراد لسوريا وقد تحوّل الدم إلى عنوانها، والموت إلى يومياتها؟
وهل سقط النظام سياسيًا كما سقط عسكريًا على مشارف السويداء؟
إنها الأسئلة الكبرى التي تطرق أبواب الغد، وقد لا تكون لها إجابات اليوم… لكنها ستظل محفورةً في ذاكرة وطنٍ يبحث عن خلاصه، وفي قلب جبلٍ لم يُكسر يومًا، ولن يُكسر.



