العالم الاقتصادي في أزمة: صعود الشرق وانحدار النفوذ الأمريكي
يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة من التحوّلات الجذرية، في ظل فوضى سياسية تتجلى بوضوح في الولايات المتحدة والغرب بشكل عام. فبينما يحاول الأخير التظاهر بالقوة والاعتماد على سياسات يُصورها على أنها "طبيعية"، تكشف الوقائع عن قرارات تتجاوز المنطق، وتعكس أزمة حقيقية في الهيكلية الاقتصادية والنفوذ العالمي، خصوصًا مع صعود الشرق اقتصاديًا وسياسيًا.

العالم الاقتصادي في أزمة: صعود الشرق وانحدار النفوذ الأمريكي
✍️📰 كتب كتبت نوال نجم
يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة من التحوّلات الجذرية، في ظل فوضى سياسية تتجلى بوضوح في الولايات المتحدة والغرب بشكل عام. فبينما يحاول الأخير التظاهر بالقوة والاعتماد على سياسات يُصورها على أنها “طبيعية”، تكشف الوقائع عن قرارات تتجاوز المنطق، وتعكس أزمة حقيقية في الهيكلية الاقتصادية والنفوذ العالمي، خصوصًا مع صعود الشرق اقتصاديًا وسياسيًا.
في الداخل الأمريكي، تتكرر حالات الإغلاق الحكومي، إذ لا يمكن للرئيس وحده إنهاء الأزمة، ويتطلب الأمر موافقة الكونغرس على مشاريع قوانين الاعتمادات لتمويل الوزارات والهيئات الحكومية، ثم توقيع الرئيس عليها. ومع ذلك، يواصل الرئيس ترامب فرض الرسوم الجمركية على العالم، متزامنًا مع تهديدات محتملة ضد فنزويلا، بزعم مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات، رغم أن هذه الظاهرة موجودة داخل أمريكا منذ عقود.
ويبدو أن التضخيم الإعلامي لهذه القضية يهدف إلى الاستحواذ على موارد فنزويلا وثرواتها، وهو مثال على النهج الأمريكي الذي يجمع بين القوة الاقتصادية والتوسع الاستراتيجي خارج الحدود.
على المستوى الأوروبي، تظهر مخاوف واضحة من السيطرة على الأصول الروسية السيادية، وتكشف عمليات مصادرة شركات صينية من قبل بعض الدول الأوروبية عن سعي الغرب لتعويض تراجعه الاقتصادي عبر النفوذ السياسي والضغط على الدول الأخرى. هذه التحركات تكشف عن استراتيجية أوسع للهيمنة الاقتصادية، حيث تحاول الدول الغربية فرض سيطرتها على الموارد والاستثمارات الأجنبية الاستراتيجية، بينما تواجه تحديات متنامية من صعود الشرق.
النظام الاقتصادي الأمريكي يوصف بأنه اقتصاد مختلط يجمع بين آليات السوق الحرة والتدخل الحكومي، إلا أن الواقع يظهر أن الرأسمالية تسيطر على المشهد، حيث يهيمن الأثرياء والشركات الكبرى على الإنتاج والقرار الاقتصادي، بينما الديمقراطية تبدو فعالة أساسًا ضمن نطاق الأثرياء والشركات الكبيرة، الذين غالبًا ما يتجاوز نفوذهم حدود الدولة ويستفيدون من الدعم الحكومي المباشر وغير المباشر. ومع تراجع الابتكار والقدرة التنافسية خارج الولايات مثل كاليفورنيا، أصبح صعود الصين الاقتصادي ونجاح مجموعة بريكس يشكل تحديًا مباشرًا للغرب، ويقترب الناتج المحلي للصين ومجموعة بريكس من الناتج المحلي لدول مجموعة السبع عند قياس القوة الاقتصادية بالقدرة الشرائية، وهو ما يعكس تحولًا في التوازن العالمي لصالح الشرق.
هذا التحول يزداد وضوحًا مع الاعتماد الأمريكي المستمر على تراكم الديون بعجز سنوي يتجاوز التريليون دولار، بينما يستفيد الأثرياء من جميع المزايا والخدمات دون دفع الضرائب، في حين يعيش عامة الناس على القروض والفوائد المرتفعة، ما يزيد من هشاشة الاقتصاد الغربي ويؤكد اتساع الفجوة بين الطبقات.
استراتيجيًا، حاولت الولايات المتحدة والدول الأوروبية خلال العقد الماضي إضعاف روسيا اقتصاديًا وعسكريًا عبر خلق صراعات داخلية ودعم أوكرانيا ماليًا وعسكريًا، إلا أن روسيا صمدت وأفلحت في إفشال المشروع الغربي، ما أحدث صدمة استراتيجية في واشنطن وأوروبا.
بالتوازي، أدى صعود الصين الاقتصادي ونجاح بريكس إلى تعقيد المشهد أكثر، ليصبح الشرق لاعبًا رئيسيًا على الساحة الاقتصادية والسياسية العالمية، ما دفع الرأسمالية الأمريكية إلى إعادة توجيه سياساتها شرقًا من خلال استراتيجيات مدروسة تركز على السيطرة على الموارد والتقنية والطاقة.
مثال على ذلك احتمالية استثناء المجر من العقوبات على الغاز والنفط الروسي مقابل التزامها بشراء التكنولوجيا النووية الأمريكية وتنفيذ اتفاقية لبناء محطات نووية بقيمة 20 مليار دولار.
تعكس هذه السياسات رغبة أمريكا في مزاحمة روسيا في قطاع الطاقة والتقنية النووية، واستغلال التحالفات والضغوط لإخضاع دول الشرق وأوروبا لشروط اقتصادية واستراتيجية محددة، وهو ما يظهر بوضوح توجه الرأسمالية الأمريكية نحو الشرق.
في ضوء هذه التطورات، يتضح أن الرأسمالية الغربية، وعلى رأسها الأمريكية، تواجه مرحلة تحوّل حاد، حيث تتراجع الهيمنة التقليدية للغرب، بينما يتوسع نفوذ الشرق، ممثلًا في روسيا والصين، مع تصاعد الاعتماد على تكتلات اقتصادية مثل بريكس.
ويبدو أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة جديدة من إعادة التوازن، تتحدد فيها موازين القوى المستقبلية بالقدرة على الابتكار، والتحالفات الاستراتيجية، والتخطيط الاقتصادي المدروس، بعيدًا عن الهيمنة الأحادية التي سادت في القرن الماضي.



