اخبار دولية
أخر الأخبار

الاستراتيجية الأمريكية بعد استهداف المنشآت النووية الإيرانية

أعادت الضربة الأمريكية ضد المنشآت النووية الإيرانية في حزيران/2025 تشكيل قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. هذا العمل العسكري، الذي استهدف مواقع حساسة في فوردو ونطنز وإصفهان، لم يكن رسالة ردع فقط، بل نقطة انطلاق لإعادة صياغة سياسة واشنطن تجاه طهران وساحات نفوذها

الاستراتيجية الأمريكية بعد استهداف المنشآت النووية الإيرانية

✍️كتب الخبير الاستراتيجي والأمني
محسن الشوبكي

الضربة الأولى: إعادة رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط

أعادت الضربة الأمريكية ضد المنشآت النووية الإيرانية في حزيران/2025 تشكيل قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. هذا العمل العسكري، الذي استهدف مواقع حساسة في فوردو ونطنز وإصفهان، لم يكن رسالة ردع فقط، بل نقطة انطلاق لإعادة صياغة سياسة واشنطن تجاه طهران وساحات نفوذها. ترافق هذا التطور مع تقييم شامل للوجود الأمريكي وأشكال الردود المحتملة، وتوازنات العلاقة مع الكيان الصهيوني وروسيا في مرحلة يسودها التوتر وغياب اليقين.

الاحتواء المزدوج: بين ردع النووي وكبح النفوذ الإقليمي

واعتمدت واشنطن بعد الحدث نهجاً يقوم على الضغط المحسوب. الاستهداف الدقيق للقدرات النووية الإيرانية يمثل توجيهاً واضحاً:

📍الولايات المتحدة مستعدة لتعديل قواعد اللعبة كلما اقتربت طهران من العتبة النووية.

⭕️الإدارة الأمريكية تركز على سياسة الاحتواء المزدوج: ردع البرنامج النووي ومنع طهران من استثمار الساحات الإقليمية.

 

🔷️تحاول واشنطن تحقيق توازن دقيق:

🔷️إضعاف القدرات الإيرانية من دون الانجرار إلى صراع مفتوح، مع إبقاء خطوط التفاوض السياسي والاقتصادي مفتوحة للمستقبل.

العراق وسوريا ولبنان: ساحات اختبار للضغط الأمريكي على طهران

وتحركت واشنطن بحذر في العراق عقب الضربة. لكن الأولوية الاستراتيجية ارتطمت بواقع السياسة الداخلية:

ففي ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة (تشرين الثاني 2025)، التي أدت إلى ترسيخ نفوذ التيارات المنضوية تحت الإطار التنسيقي الشيعي، أكدت المليشيات الموالية لإيران تحول قوتها من الميدان إلى الغطاء السياسي والمؤسساتي (الشرعنة).

هذا النجاح الانتخابي يقلص من فعالية الضغط الأمريكي على الحكومة المركزية مستقبلا للتعامل مع سلاح الفصائل، كون الحكومة نفسها نتاج تسوية سياسية تشمل هذه القوى.

بالتالي، أصبحت قدرة واشنطن على التعامل مع النفوذ الإيراني في العراق محصورة في مسارين:

📌الردع العسكري المباشر لردع أي هجمات، والعقوبات المالية والاقتصادية لتجفيف تمويل الأجنحة ، بدلاً من الاعتماد على الأداة الحكومية التي باتت مقيدة داخلياً.

وفي سوريا، كانت المقاربة الأمريكية أكثر صلابة:

كثّفت واشنطن مراقبة خطوط الإمداد الإيرانية وزادت وتيرة عمليات التحالف الدولي شرقاً. كما يتم ربط هذا التحرك بـ معلومات مسربة حول نوايا إقامة قواعد عسكرية أمريكية متقدمة، ما يشكل ضغطاً مضاعفاً على التواجد الإيراني والشبكة اللوجستية.

استراتيجياً، تضمنت المقاربة مراقبة دقيقة لأي تطور في الاتفاقيات الأمنية بين النظام السوري والكيان الصهيوني لضمان عدم حصول تغييرات مفاجئة في قواعد الردع الثنائية.

🇱🇧والمشهد اللبناني كان الأكثر حساسية. بعد الحدث، ارتفع التوتر على الحدود الجنوبية. إلا أن واشنطن حرصت على إبقاء لبنان خارج دائرة التصعيد الكبير ودعمت تثبيت خطوط الاشتباك التقليدية.

بالتوازي، كثفت الولايات المتحدة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على الحكومة اللبنانية، بهدف دفع ملف نزع سلاح حزب الله كجزء من الاستراتيجية الأوسع لاحتواء النفوذ الإيراني. هذا التحرك يهدف إلى منع انفجار كبير قد يفتح مواجهة إقليمية غير محسوبة.

بين تل أبيب وواشنطن: هامش الحركة الصهيوني تحت سقف القرار الأمريكي

ووجد الكيان الصهيوني نفسه أمام معادلة جديدة. الضربة الأمريكية خففت عنه الضغط العسكري، لكنها لم تُعطِ تل أبيب تفويضاً مطلقاً للتصعيد.

الإدارة الأمريكية أبقت قيوداً واضحة على الهامش الحركي الصهيوني، لمنع إشعال المنطقة بخطوات متهورة. سُمح باستمرار العمليات المحدودة، لكن مُنع توسيع الحرب خارج الأطر التقليدية. الهدف الاستراتيجي الأمريكي هو الحفاظ على التوتر تحت السيطرة ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب تعيد رسم خرائط النفوذ.

🇷🇺موسكو على الخط: استثمار روسي للأزمة وحدود الرد غير المباشر

فيما تعاملت روسيا مع الضربة من موقع القلق والحسابات الباردة، لكنها سارعت إلى استثمار الفرص المتاحة لفرض كلفة استراتيجية على واشنطن. بدلاً من المواجهة المباشرة، استغلت موسكو الأزمة في غزة، حيث قدمت مشروع قرار لمجلس الأمن مناوئاً للمشروع الأمريكي. هذا التحرك، الذي هاجمه السفير الأمريكي في الامم المتحدة ، يهدف لإثبات عزلة واشنطن دبلوماسياً ويعزز موقف حلفاء طهران. بالتوازي، يؤكد التواصل الهاتفي بين الرئيس بوتين ونتنياهو استراتيجية التوازن المرن؛ فموسكو تحرص على الإبقاء على خطوط الاتصال مفتوحة مع الكيان الصهيوني لضمان مصالحها الأمنية في سوريا، وفي الوقت ذاته تعزز دورها كلاعب لا يمكن استبعاده من ترتيبات المنطقة.

توازن على حافة الانفجار: ردع بلا حرب وتوتر بلا مخرج نهائي

بالمجمل ؛ أعادت ضربة حزيران 2025 رسم المشهد الإقليمي، لكنها لم تنهِ الصراع. واشنطن اعتمدت سياسة ضغط بحساب، تقوم على المبادرة العسكرية المحدودة وتكثيف الردع دون الانجرار إلى صراع مفتوح. بالمقابل، من المرجح أن تضاعف طهران استثمارها في ميزة الغموض الاستراتيجي عبر وكلائها كأوراق تفاوض وضغط، مما يضع المنطقة أمام مرحلة طويلة من التوتر المنضبط. أما الكيان الصهيوني فلن يحصل على تفويض أمريكي بالتصعيد المفتوح، بينما تراقب روسيا التطورات بانتظار فرص لتعزيز حضورها. يتقدم الإقليم نحو مرحلة تتداخل فيها الضغوط العسكرية والدبلوماسية، دون مسار واضح لحل دائم.

تفكيك التشكيلات الموازية الخارجية في سوريا تمهد الطريق لمواجهة داعش

طرطوس والبوكمال: بداية مسار جديد لإعادة احتكار القوة

تُشير العمليات الأمنية في طرطوس والساحل (غرب سوريا) والبوكمال (أقصى شرق سوريا على الحدود العراقية) في 2025 إلى بداية مسار جديد للدولة السورية تجاه الفاعلين المسلحين غير الرسميين. اعتقال خلية طرطوس، التي تملك ارتباطات بشخصيات محلية ذات نفوذ وترتبط أيضاً بالحرس الثوري الإيراني، وملاحقة عناصر الفوج 47 (تشكيل عسكري محلي مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، ومهمته حماية الممر البري، وهو متهم بتهريب المخدرات والأسلحة) في البوكمال، يعكسان توجهاً واضحاً لإعادة بناء الاحتكار الأمني من الداخل أولاً، وبشكل مستقل عن التوازنات الإقليمية.

تصفية الشبكات الموازية: من الممر البري إلى اقتصاد التهريب

في طرطوس، تمثّل العملية خطوة تستهدف البنى الاجتماعية التي كوّنت حضوراً خارج إطار الدولة، وهو ما يشكل أساساً للسيطرة المستدامة. أما في البوكمال، فالمغزى الأبرز ليس عدد المعتقلين بل اختيار منطقة حدودية ذات حساسية لوجستية وتقاطعات نفوذ.

إن توجيه الضربة في محاور السكرية والحمدان يهدف إلى إنهاء قدرة أي تشكيل على الحفاظ على بنية عملياتية موازية. يُعد هذا الاستهداف ضرورياً خاصة وأن الفوج 47 متهم بحماية الممر البري الإيراني والمشاركة في التهريب.

من الخارج إلى الداخل: نقل الثقل الأمني نحو مواجهة داعش

هذه النجاحات الأمنية تُنتج فراغاً عملياتياً كانت تشغله التشكيلات غير الحكومية، وهو فراغ يمكن للدولة استثماره في المرحلة التالية. تبدو هناك فرصة واقعية لانتقال الثقل الأمني من التعامل مع التشكيلات المرتبطة بالخارج إلى التركيز على التهديد الداخلي الأكثر خطورة واستمرارية:

خلايا داعش القادرة على العمل في جيوب صغيرة.

مركزية القرار الأمني: شرط أول لهزيمة الإرهاب الطويل الأمد

تفكيك القوى التي كانت تعمل خارج القرار المركزي يوفّر بيئة أكثر اتساقاً لعمليات مكافحة الإرهاب، لأن مكافحة داعش لا يمكن أن تُدار بوجود شبكات موازية أو متداخلة تُصعّب جمع المعلومات وتحليلها.

ومع تراجع نفوذ هذه المجموعات، يصبح التنسيق الأمني والاستخباراتي أكثر وضوحاً، ما يتيح للدولة الانتقال من نمط الدفاع الموضعي إلى نمط الملاحقة المنظمة.

2025 كنقطة تحوّل: نحو مشهد أمني أكثر توحّدًا وأقل فوضى

إذا استمر هذا النهج، فإن 2025 قد يمهد لمرحلة تستعيد فيها الدولة مركزية قرارها الأمني بالكامل. تُعدّ عمليات طرطوس والبوكمال الخطوة الافتتاحية لمسار يهدف إلى إعادة بناء المجال الأمني من الأعلى إلى الأسفل، وصولاً إلى مواجهة بعيدة المدى مع التهديد الأكثر رسوخاً في المشهد السوري: الخلايا المتجددة لتنظيم داعش.

العراق صراع نفوذ

انتخابات بلا تغيير جوهري: ترسيخ الخريطة نفسها بأدوات جديدة

كشفت الانتخابات العراقية الأخيرة عن استمرار التوازنات الداخلية نفسها، فيما بقي العراق ساحة مركزية للصراع بين واشنطن وطهران. فقد عززت القوى المتحالفة مع إيران حضورها السياسي، مستندة إلى شبكة نفوذ تشمل البرلمان والوزارات والفصائل المسلحة، ما يمنح طهران قدرة على تثبيت موقعها حتى تحت الضغط الأمريكي.

واشنطن بين العقوبات والرسائل الأمنية: إدارة عن بُعد لساحة معقدة

في المقابل، تعتبر واشنطن أن هذا النفوذ يحدّ من استقلال القرار العراقي ويهدد قواتها، خصوصًا بعد الهجمات على قاعدتي عين الأسد وأربيل. وردًا على ذلك، صعّدت ضغوطها عبر العقوبات وتضييق الاستثناءات الاقتصادية واستهداف شبكات التمويل ووضع ستة فصائل على قوائم الارهاب . وجاء تعيين المبعوث مارك سافايا ليعكس نهجًا أمريكيًا مركّزًا على ملفات أمنية محددة، رغم غياب سفير لها في بغداد، بما يشير إلى إدارة دقيقة للعلاقة العراقية بعيدًا عن الانخراط الدبلوماسي التقليدي.

حكومات على الحافة: كيف توازن بغداد بين سلاح الداخل وضغوط الخارج؟

وتواجه أي حكومة عراقية جديدة معادلة معقدة تجمع بين مطالب داخلية ملحّة تتعلق بالإصلاح وضبط السلاح، وبين ضغوط أمريكية تطالب بتقليص دور الفصائل، مقابل قوى عراقية قوية ترفض هذه المطالب وتعدّها تدخلاً يستهدف توازناتها وعلاقتها مع طهران. وهذا يضع الحكومة أمام تحدي موازنة الداخل والخارج من دون الانحياز لطرف يفاقم الأزمة.

مسارات نفوذ متقابلة: العراق كساحة تصفية حسابات إقليمية

يعتمد مستقبل النفوذ الإيراني على عدة عوامل:

📌شدة الضغوط الأمريكية، تحركات القوى الشيعية، واستعداد الدولة لإعادة تنظيم علاقتها مع الفصائل.📌

ورغم احتمال تغير بعض أدوات النفوذ، لا يبدو أن طهران مستعدة للتراجع عن موقعها الحيوي في العراق، وستلجأ إلى بدائل سياسية واقتصادية عند الحاجة.

العراق ميدان حسابات أوسع بين واشنطن وطهران

وتنظر واشنطن وطهران كلٌ من زاويته إلى العراق باعتباره ساحة تُدار فيها حسابات إقليمية أوسع. فالأولى تتهم الثانية بترسيخ نفوذ يزعزع استقرار المنطقة، بينما ترى الثانية أن التحركات الأمريكية تهدف إلى تقويض دورها خدمة لأجندات إقليمية. ويستمر الصراع عبر اتهامات وخطط متبادلة.

توازنات هشة: بحثٌ عن استقرار لا يجر البلاد إلى محور واحد

وفي ظل هذا الاشتباك المستمر، يبقى التحدي أمام العراق هو صياغة توازن سياسي يوفّر مساحة لاستجابة المطالب الداخلية ويحافظ في الوقت نفسه على علاقات خارجية مستقرة، بما يسمح للبلاد بتجنب الانجرار إلى محور على حساب آخر وسط صراع نفوذ لا يهدأ.

 أبرز النقاط الواردة في المقال:

✍️محسن الشوبكي

الخبير الاستراتيجي والأمني
  • 📌في ملف إيران، تُظهر الضربة الأمريكية ضد المنشآت النووية في حزيران/2025 انتقال واشنطن إلى سياسة ضغط محسوب يعيد تشكيل قواعد الردع ويمنع طهران من بلوغ العتبة النووية مع تجنّب الحرب الشاملة.
  • 📌في سوريا، يمثّل تفكيك التشكيلات الموازية في طرطوس والبوكمال خطوة لإعادة بناء الاحتكار الأمني وتهيئة المسرح لانتقال مركز الثقل إلى مواجهة خلايا تنظيم داعش.
  • 📌في العراق، تواصل القوى المتحالفة مع إيران ترسيخ نفوذها رغم الضغوط والعقوبات الأمريكية، ما يجعل البلاد ساحة صراع نفوذ مفتوح بين واشنطن وطهران مع تحديات داخلية معقّدة أمام أي حكومة جديدة.

 

📚  للمعلومات • الوثائق • الخرائط • التحليل الميداني

يتضمن هذا القسم مجموعة شاملة من الروابط التحليلية والخرائط الاستخباراتية والوثائق المرجعية التي تساعد في فهم
الاستراتيجية الأمريكية بعد استهداف المنشآت النووية الإيرانية ومسارات النفوذ الإقليمي في سوريا والعراق ولبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »