جدل الروح والعقل في مسار الكون الإنساني: رؤية فلسفية لمسيرة الحضارة في محاضرة البروفيسور سهيل فرح بالأرميتاج
بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، تكتسب محاضرة البروفيسور اللبناني – الروسي سهيل فرح في رحاب متحف الأرميتاج في العاصمة الثقافية لروسيا بعدًا خاصًا؛ إذ تأتي هذه المحاضرة بوصفها مقاربة فلسفية عميقة لمعنى الإنسان ولمستقبل الحضارة الإنسانية، في زمن تتسارع فيه التحوّلات وتتشابك فيه الأزمات الروحية والقيمية والمعرفية
جدل الروح والعقل في مسار الكون الإنساني: رؤية فلسفية لمسيرة الحضارة في محاضرة البروفيسور سهيل فرح بالأرميتاج
مدخل فلسفي إلى محاضرة الأرميتاج
بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، تأتي المقاربة الفلسفية لمعنى الإنسان ولمستقبل الحضارة الإنسانية لتشكّل واحدة من أبرز الموضوعات التي تشغل الفكر الفلسفي في عالمنا المعاصر. وقد تضمنتها محاضرة البروفيسور اللبناني – الروسي سهيل فرح في رحاب متحف الأرميتاج الشهير في العاصمة الثقافية لروسيا، حيث تكتسب هذه المحاضرة بعدًا خاصًا بوصفها مقاربة فلسفية عميقة لمعنى الإنسان ولآفاق الحضارة في زمن تتسارع فيه التحوّلات وتتشابك فيه الأزمات الروحية والقيمية والمعرفية.
فأفكار المحاضرة تصبّ في نهر التجديد الفلسفي لرؤى ومقاربات حيوية تطال معنى حياتنا على هذا الكوكب، وتستشرف السيناريوهات المستقبلية للحضارة.
ويحاول البروفيسور فرح من خلالها إعادة وضع الإنسان – بعقله وروحه – في مركز السؤال حول مصير الحضارة، وفتح أفق جديد للتفكير في السيناريوهات القادمة لعالمنا، انطلاقًا من رؤية نقدية للأزمة الراهنة، ومن إيمان بإمكان تجديد الوعي الإنساني وبناء توازن جديد بين العقل والقيم.
وإليكم أبرز الأفكار الخلّاقة التي جاءت على ذكرها المحاضرة ……..


محاضرة الأرميتاج: رؤية البروفيسور سهيل فرح لمسار الحضارة وتحولات الوعي الإنساني
في اللقاء الفكري الذي احتضنه الأرميتاج، وقف البروفيسور سهيل فرح ليقدّم محاضرة أراد لها أن تكون قراءة هادئة وعميقة للتحوّلات الكبرى التي يعبرها الإنسان في هذا العصر المتسارع. لم يسعَ إلى زخرفة الأفكار ولا إلى إلقاء خطابات مؤثرة، بل قدّم رؤية متماسكة تُعيد الإنسان إلى مركز السؤال، وتُعيد التفكير في معنى الحضارة ذاتها: ما الذي يجعلها حضارة؟ وما الذي يجعل الإنسان قادرًا على المواصلة داخل عالم يفقد شيئًا من بوصلته كل يوم؟
فالحضارة ـ كما يرى ـ ليست حصيلة تقنيات، ولا تراكمًا لمعارف، بل منظومة قيم تُشكّل العلاقة بين العقل والروح، بين الإنسان والعالم. ومع ازدياد تسارع الزمن وتضخّم الضوضاء وانحدار أوزان المعنى، أصبح سؤال الوعي سؤالًا مصيريًا لا يمكن تجاوزه.
ومن هذا المدخل الذي يجمع بين الهدوء والعمق، بدأ فرح بتقديم رؤيته حول موقع الإنسان في هذا العصر، منتقلًا من توصيف الظواهر العامة إلى تحليل البنية العميقة للأزمة الحضارية.
وبعد أن وضع الإطار العام للمشهد الإنساني، توقّف فرح عند ضرورة الانتقال من الاستعراض الظاهري للتحوّلات إلى محاولة فهم جذورها. فالإنسان المعاصر، في رأيه، يعيش في عالم تضيق فيه مساحة الروح وتتسع فيه مساحة الأدوات؛ عالم تتراكم فيه الإنجازات أكثر مما تتراكم فيه الحكمة، وتشتدّ فيه الصراعات أكثر مما تشتد فيه القدرة على بناء المعنى.
ومع هذا التبدّل العميق، لم يعد ممكناً الاكتفاء بوصف الأعراض، بل أصبحت الحاجة ملحّة لصياغة رؤية شاملة تفكّك هذه الأزمة من جذورها. ومن هنا قدّم البروفيسور سهيل فرح ما أسماه الأطروحات الاثنتا عشرة، وهي ليست مبادئ مجرّدة، بل مستويات تحليلية مترابطة، أراد لها أن تشكّل خريطة فكرية تساعد الإنسان على فهم موقعه داخل زمن يختلط فيه التقدّم بالضياع، وتتشابك فيه المعرفة مع فقدان المعنى.
وقد صاغ هذه الأطروحات بوصفها محاولة للتعمّق في تلك المنطقة التي تتشكّل فيها القرارات الأخلاقية والروحية للإنسان، وهي بذلك تمهيدٌ للبحث عن إمكانات الخلاص وسط هذا المشهد الذي يزداد تعقيدًا.
🔶 الأطروحات الاثنتا عشرة
يعيش الإنسان المعاصر في عالم يمتلك فيه كلّ الوسائل التقنية، ولكنه — paradoxically — فقد الاتجاه الداخلي الذي يمنح هذه الوسائل معناها، فأصبح التقدّم المادي بلا هدف، والوفرة بلا روح، والعلم بلا ضمير.
انهارت المنظومات الفكرية الكبرى: فالليبرالية غرقت في المادّة والاستهلاك، والاشتراكية فقدت مثاليتها، والخطابات الدينية تجمّدت في طقوسٍ بلا حياة، فوجد الإنسان نفسه عاريًا أمام أسئلة المصير.
تشتّتت منظومات القيم: العقل يخاصم الروح، والمصلحة تُقصي الضمير، والإنسان يُختصر في بعده الاستهلاكي، فتحوّلت الحرية إلى ملكية، والحقوق إلى أرقام، والكرامة إلى رفاهية.
يعيش العالم أسير تقسيمات: شرق/غرب، خير/شر، ماضٍ/مستقبل، لكن هذه الثنائيات — مهما بدت واضحة — لا تُنتج فهمًا، بل تُعيد إنتاج الانفصال.
العولمة التي وُعدنا بها كجسر إنساني تحوّلت إلى قيد يُعيد إنتاج النموذج الواحد، ويُقصي الهويات الصغيرة، ويزرع شعورًا بالغربة في قلب كلّ حضارة.
رحل زمن المفكّر الذي يفكّر بعمق، وحلّ محله العقل المتسارع الذي يصنع أحكامًا لحظية، فيصبح الفكر «ترندًا» ينطفئ قبل أن يُفهم.
رغم التقدّم العلمي، بقي الإنسان أسير غرائزه الأولى، فصار يجمع بين عقل القرن الواحد والعشرين وروح القرون الغابرة.
الخلاص في الاعتدال: فلسفة تجمع بين العقل والقلب، وبين الإيمان والفكر، وبين الذات والآخر.
تحوّلت القوة العلمية إلى قدرة مرعبة على إنتاج الموت، وبدأت الشعارات تُستخدم لتجميل العنف.
الأرض تختنق لأن النفس تختنق، والاحتباس الحراري ليس سوى انعكاس لاحتباس الضمير.
البشرية أمام خيارين: إما الانحدار تحت وطأة الأنانية، أو النهوض عبر عقلٍ جديدٍ يزاوج بين المعرفة والمحبة.
الحقيقة، الخير، الحب، الجمال: هي أعمدة الحضارة التي لا تنهار.
بعد الانتهاء من الأطروحات، انتقل البروفيسور سهيل فرح نحو قراءة أكثر اتساعًا للمشهد الحضاري العالمي. فقد ربط بين هذه التشخيصات العميقة وبين التحولات الكبرى التي يعبرها العالم اليوم، معتبرًا أن الأزمة ليست عابرة ولا مرتبطة بحدثٍ سياسي محدّد، بل هي أزمة في بنية الوعي ذاته. فالمعرفة تتكاثر، لكن الحكمة تتراجع؛ الأدوات تتطور، لكن القيم تتصدّع؛ والإنسان يتقدّم في امتلاك الأشياء لكنه يتأخر في امتلاك ذاته.
ومن هنا شدّد على الدور المحوري للثقافة بوصفها الركن الذي يوازن بين العقل والروح. فالثقافة هي المجال الذي يلتقي فيه الإنسان مع ذاته ومع الآخر، وهي التي تحفظ الهويات من الذوبان، وتحفظ القيم من التفكك، وتحفظ الحضارة من الانهيار. إنها ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية.
ثم توقّف عند الحضارة الروسية، معتبرًا أنها تقدّم نموذجًا لتوازن فريد بين العقلانية والروحانية، بين الإبداع الفني والعمق الفلسفي، وبين البحث العلمي والإحساس الإنساني. ورأى أن دورها اليوم ليس صراعًا حضاريًا مع الغرب، بل تقديم رؤية مختلفة لمسار العالم، رؤية تستند إلى قيمة الإنسان ومعنى العدالة.
ومن هذا الفهم، انتقل إلى صورة العالم المستقبلي كما يتخيله: عالم لا يُدار بالهيمنة ولا بالصراع، بل بالتكامل؛ عالم تتجاور فيه الحضارات كما تتجاور الأصوات في سمفونية واحدة، حيث لا يلغي صوتٌ صوتًا آخر، بل يمنحه عمقًا واتساعًا.
وهكذا، ومع وصول المحاضرة إلى لحظتها الأخيرة، تتضح الرؤية التي دعا إليها البروفيسور سهيل فرح منذ بدايتها: أن الثقافة، بما هي صوت الروح وميزان العقل، ليست ترفًا فكريًا ولا انشغالًا نخبويًا، بل هي الجسر الأخير الذي يمكن للإنسان أن يعبر عليه نحو ذاته ونحو العالم، حين تضيق الطرق وتتراكم الضوضاء وتتعاظم الأزمات. فقد أرادت هذه المحاضرة، بكل ما حملته من استحضار للتاريخ وتحليل للحاضر واستشراف للمستقبل، أن تعيد ترتيب الأسئلة الكبرى في ذهن الإنسان المعاصر، وأن تذكّره بأنّ الحضارة، مهما بلغت قوتها المادية، لن تكون حضارة إلا إذا بقي الإنسان في مركزها وضميرها.
ولذلك، فإن المحاضرة لا تُنهي حديثًا، بل تفتح أفقًا جديدًا للتأمل، تدعو فيه إلى ولادة إنسانٍ مثقّف بمعناه الوجودي، إنسانٍ يرى العالم لا كميدان صراع، بل كفضاء تتجاور فيه الثقافات والأصوات، وتتعاون فيه الحضارات على صناعة معنى أعمق للحياة. وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأسلحة وتضعف فيه الحكمة، تبقى الثقافة تلك الشعلة التي ما إن تُرفع حتى تذكّرنا بأن الإنسان قادر على النجاة بنفسه… حين يعرف كيف ينصت إلى ذاته وإلى الآخر، وحين يفهم أنّ الحوار ليس خيارًا سياسيًا، بل قدرًا إنسانيًا لا مفرّ منه.
وهكذا اختُتمت المحاضرة، لا بوصفها نهاية، بل بوصفها بداية لوعيٍ جديدٍ يليق بالعصر… وبالإنسان.




