باقلامهم
أخر الأخبار
بين فوضى النظام العالمي وبزوغ التعددية القطبية
السياسة العالمية اليوم في قلب فوضى متجددة: مبدأ البقاء للأقوى والمصلحة الذاتية يحكم قرارات الدول الكبرى، بينما يغيب إطار العدالة الثابت، ويزداد استشراء الفساد الاجتماعي وتراجع الأمن.

بين فوضى النظام العالمي وبزوغ التعددية القطبية
✍️📰كتبت: نوال نجم
✍️📰السياسة العالمية اليوم في قلب فوضى متجددة: مبدأ البقاء للأقوى والمصلحة الذاتية يحكم قرارات الدول الكبرى، بينما يغيب إطار العدالة الثابت، ويزداد استشراء الفساد الاجتماعي وتراجع الأمن. هذه الفوضى ليست طارئة فحسب، بل ثمرة تراكمات تاريخية وسياسات عقلتها مراكز قوى لا تؤمن بالشراكة بل بالهيمنة. أمام هذا الواقع يتجلى سؤال محوري:
هل ستمتد هذه الدينامية إلى حرب شاملة أم ستجبرها الضغوط على التحول إلى تسويات ودبلوماسية؟ الواقع الراهن، المليء بالتناقضات والتهديدات والعقوبات، يوحي بوجود حسابات عميقة ومعقدة تقود السياسات الغربية، وتضع العالم عند مفترق حقيقي.
الخفايا العميقة للنهج الغربي
لفهم السياسات الغربية الراهنة لا بد من العودة إلى تكوين أدواتها المؤسسية والمالية. في 1944، خلال مؤتمر بريتون وودز، ترسّخ الدولار كمرجعية عالمية وتم هيكلة النظام المالي الدولي حول المصالح الأميركية. تأسيس البنك الدولي وصندوق النقد والبنى المالية الأخرى أعطى الولايات المتحدة قدرة فريدة على التأثير الاقتصادي والعقابي في السياسة الدولية. هذه الهيمنة المالية رافقها لاحقًا هيمنة سياسية دُعمت بمؤسسات دبلوماسية وقانونية على مستوى العالم.
ما بدا في نظرة سطحية كـ “قواعد دولية” تحول عمليًا إلى أدوات ضغط جيوسياسي: إمكانية تجميد الأصول، فرض عقوبات موازية، وتهديد بتقييد الوصول إلى الأسواق. هذه الآليات جعلت من العزلة الاقتصادية وسيلة فعالة لإخضاع الدول غير المرنة سياسياً، وهو ما يفسر جزئياً تناقض الخطاب الأخلاقي الغربي مع السياسات العملية التي ترتكز على المصلحة.
انهيار الاتحاد السوفياتي وبداية التحول العالمي
انتصار الجيش الأحمر على النازية عام 1945 أطلق توازنًا جديدًا: ثنائية قطبية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. هذه الثنائية قادت لعقود من الحرب الباردة، حيث أصبحت أوروبا مسرحًا لصراع نفوذ أيديولوجي وسياسي. مع سقوط جدار برلين 1989 وتفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، انهار هذا التوازن وصعدت أميركا كقوة أحادية؛ هيبة مالية وسياسية أتاحت لها توسيع نفوذها شرقًا.
هذا الفراغ الذي أحدثه انهيار الاتحاد لم يمر دون تبعات داخلية في روسيا؛ فقد شهدت التسعينيات سيطرة الأوليغارشية، انهيار مؤسسات الدولة، وتراجع اقتصادي حاد خلال عهد بوريس يلتسن. هذه الأزمة الداخلية لم تكن منسلخة عن الخريطة الدولية: ضعف روسيا جعلها عرضة لضغوط وسياسات تهدف إلى إعادة تشكيل مناطق نفوذها التقليدية.
النهضة الروسية وصراع النهجين
عام 1999، دخول فلاديمير بوتين إلى السلطة شكّل نقطة تحول: مشروع لإعادة بناء الدولة، محاربة الفساد، واستعادة دور روسيا كقوة فاعلة. هذه النهضة لم تكن محلية فحسب؛ بل ترافقت مع استراتيجية خارجية رقمت أولوياتها تأمين المصالح الحيوية، ومن بينها الأمن القومي والنفوذ الإقليمي والروسي في الفضاء الأوروبي.
من جهتها، تحركت مؤسسات الغرب: توسع حلف الناتو شرقًا (مراحل 1999، 2004، 2009) وازدياد محاولات دمج دول الفضاء ما بعد السوفياتي في بنى غربية. هذا التوجه التصاعدي أدى إلى تراكم التوترات، وتبلور صراع واضح عام 2014 مع أحداث أوكرانيا (ثورة الميدان) وما تلاها من إجراء عسكري روسي، الذي أثبت أن القدرة الروسية على حماية مصالحها قد عادت بقوة، وأن الردود الغربية لا تجدي دائمًا في إعادة صياغة موازين النفوذ.
في هذا السياق، برزت محاولات لتأسيس بدائل مؤسسية للعالم الأحادي؛ كان بريكس أحد أبرز هذه المحاور، الذي سعته موسكو إلى جعله منصة لتعزيز التعددية في صنع القرار، والحد من أدوات الإكراه الاقتصادي والسياسي التي تستخدمها القوى الغربية.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد صدام جغرافي وسياسي، بل تناقض أساسي في رؤية النظام الدولي: رؤية أحادية تعتمد الهيمنة الاقتصادية والعقوبات كأدوات ضغط، تواجه رؤية متعددة الأقطاب تسعى لإعادة توازن القرار الدولي وحماية المصالح السيادية للدول. كل خطوة تاريخية — من بريتون وودز، إلى الحرب الباردة، إلى انهيار الاتحاد السوفياتي، إلى نهضة روسيا الحديثة وتوسع الناتو، ثم إلى أزمة أوكرانيا — هي حلقة في سلسلة سببها ونتيجتها واضحة: هيمنة استدعَت مقاومة، وضعف أطلق مشروع إعادة بناء.أمام هذا المشهد، لا يكفي التنديد أو رفع الشعارات؛ فالعالم في حاجة إلى مقاربات عملية: تأسيس قواعد تعاون عادلة، آليات حقيقية لتقاسم السلطة في صنع القرار الدولي، وضمانات تحترم سيادة الشعوب مع توفير مسارات دبلوماسية فعّالة لفض النزاعات. أي طريق لا ينحو صوب هذا التحول سيبقى رهين منطق القوة والردّ المضاد، ومهددًا بأن تتحول فوضى اليوم إلى صراع أوسع بكثير.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد صدام جغرافي وسياسي، بل تناقض أساسي في رؤية النظام الدولي: رؤية أحادية تعتمد الهيمنة الاقتصادية والعقوبات كأدوات ضغط، تواجه رؤية متعددة الأقطاب تسعى لإعادة توازن القرار الدولي وحماية المصالح السيادية للدول. كل خطوة تاريخية — من بريتون وودز، إلى الحرب الباردة، إلى انهيار الاتحاد السوفياتي، إلى نهضة روسيا الحديثة وتوسع الناتو، ثم إلى أزمة أوكرانيا — هي حلقة في سلسلة سببها ونتيجتها واضحة: هيمنة استدعَت مقاومة، وضعف أطلق مشروع إعادة بناء.أمام هذا المشهد، لا يكفي التنديد أو رفع الشعارات؛ فالعالم في حاجة إلى مقاربات عملية: تأسيس قواعد تعاون عادلة، آليات حقيقية لتقاسم السلطة في صنع القرار الدولي، وضمانات تحترم سيادة الشعوب مع توفير مسارات دبلوماسية فعّالة لفض النزاعات. أي طريق لا ينحو صوب هذا التحول سيبقى رهين منطق القوة والردّ المضاد، ومهددًا بأن تتحول فوضى اليوم إلى صراع أوسع بكثير.



