كتب أيوب نصر:من الاستشراق إلى الإعلام الحديث: صراع الثقافة الذي حسم مسار الحضارات …
كتب الدكتور مأمون فندي، مقالا سماه: "هل ما زالت الثقافة مهمة؟"، وقد أجاب مقاله على السؤال جوابا شافيا لكل من ألقى السمع وهو شهيد، وقد بين خوف أرباب الثقافة الغربية، على ما يمتلكونه من أسباب التقدم العلمي والتقني، من تأثير الثقافات الأخرى فيهم.

كتب أيوب نصر:من الاستشراق إلى الإعلام الحديث: صراع الثقافة الذي حسم مسار الحضارات …
كتب الدكتور مأمون فندي، مقالا سماه: “هل ما زالت الثقافة مهمة؟”، وقد أجاب مقاله على السؤال جوابا شافيا لكل من ألقى السمع وهو شهيد، وقد بين خوف أرباب الثقافة الغربية، على ما يمتلكونه من أسباب التقدم العلمي والتقني، من تأثير الثقافات الأخرى فيهم.
وقد استأذنت الدكتور مأمون أن أكتب في الإجابة على سؤاله الذي عنون به مقاله، وليس في ذلك أي نية في الاستدراك على ما جاد به فكر الدكتور، فليس مثلي الذي يستدرك على مثله، ولكن من باب تقوية الرأي، فتنوع أساليب الإحتجاج للرأي تقويه كما تقوي تعدد الطرق الخبر والحديث والأثر.
وقد ختم الدكتور مقاله بالقول: “الثقافة التي أعنيها ليست ثقافة الجماهير، ورغم أهميتها فإنني أعني الثقافة العالية التي أصبحت مهملة تماماً وسط بريق «فالصو» ثقافة الجماهير.”
وحتى مقالي هذا لن يتكلم عن الثقافة الجماهيرية والشعبية، وإنما أعني بالثقافة ذلك الركن المتين الذي يقوم عليه منهج بناء العلم والفكر الذي اتفق عليه أهل الفكر والعلم والنظر في كل أمة عبر قرون طويلة متطاولة من الزمن ورضعوه مع حليب أمهاتهم وسرى في دمائهم وفاض على قلوبهم وذاب في عظامهم، فبه يقبلون ويردون ومن خلاله يعرفون وينكرون، فيحدث عندهم تلك الملكة التي بها تكون الثقافة العالية.
وأمر الثقافة، على صعوبة تحديده، في كل أمة هو أساس وجودها فإذا ذهبت ذهبت الأمة وزالت أو تشوهت، وهذا ما أبغضه في حكوماتنا، التي أهملت، عمدا أو جهلا، هذا الأمر وتركته، فنتجت لدينا أجيال مشوهة نتيجة الغلبة والقهر الذي مورس على ثقافتها من ثقافات أخرى.
أعلم، أيها القارئ، أن أكثر شيء أكرهه هو ما أصبح عندنا من المسلمات العقلية والبديهيات الذهنية، من أن الثقافة هي شيء من الترف وأن التقدم والتطور هو الأخذ بالأسباب التكنولوجية، فأصبح مقياس تقدم وتخلف أمة من الأمم يقاس بهذا الأمر بمدى إمتلاكها للتقنية العلمية والتكنولوجية، وإلا فهي أمم متخلفة رجعية، وأنا لا أملك أمام كل هذا إلا أن أعجب، فالعجب من النعم كما قال رجل قديم.
ولعلك، أيها القارئ، تقول في قرارات نفسك، هذا الكاتب ألقى شبهة وعجب منها ولم يرد عليها، فأقول لك على مهلك ولا تعجل علي، فإني آتيك بالرد كما قدمت إليك الشبهة، وردها أن الأمور العلمية والتكنولوجية، تتميز بأمور، فهى زائلة ومتحولة، فهي زائلة لأنها لا تدوم عند أمة، ومتحولة لأنها تنتقل من أمة إلى أخرى، فقد ساهمت فيها كل الأمم ولم تكن خاصة بأمة دون غيرها.
وإذا كان أمر التكنولوجيا زائل ومتحول، فالذي يحفظ استمرار الأمم وبقائها ويشكل شريان حياتها ويصل أنسالها الآتية بأسلافها الغابرة ويظل على هذا السيل المنحدر عبر الأجيال، هي الثقافة بمفهومها الذي بين آنفا.
بعد الهزيمة في الحروب الصليبية، نشأت آلة ستتطور مع مرور الأيام لتعطي ما نعرفه اليوم بجهاز المخابرات، وهذه الآلة هي الاستشراق.
وكان الهدف إرسال أناس إلى العالم العربي ليعيشوا فيه ويختلطوا بأهاليه وينهلوا من معارفهم ومناهجهم في صناعة العلم والفكر.وطرقهم الأخذ والرد، وكانوا على هذا الحال طوال النهار، وفي الليل يخلون إلى أنفسهم يكتبون كل ما عرفوه وتعلموه في تقارير يرسلونها إلى أوروبا خفية،
ثم ظهرت المؤسسات الاستخباراتية، ولكن بقيت الآلة الاستشراقية محافظة على عملها، لكنه لم يعد قاصرا على نقل أسباب العلم والمعرفة، بل أصبح له هدف آخر، وهو هدم تلك الأسباب بالطعن في اللغة والثقافة والدين، وكل ما يقوم عليه المنهج في كل أمة، بالتشكيك وخلق الشبهات، وذلك لحماية العقل الأوروبي من السيل الثقافي القادم من بلاد العروبة والإسلام.وبيان أن الثقافة العربية والإسلامية إما فيها أخطاء أو أنها نقل وسطو عن الأديان السابقة والثقافة الغربية وكأن العقل العربي غير مبين، فلما جاءت البعثات الطلابية في عهد محمد علي وبعده، لم تعد الغاية فقط حماية العقل الأوروبي، بل إفساد العقل العربي المسلم، وذلك بعد أن وقع كثيرون من طلاب هذه البعثات تحت تدليس وتأثير مدرسيهم ومن أشرفوا على رسائل تخرجهم، فأصبحوا هم لسان الاستشراق والمبين عنه في بلاد العروبة والإسلام، وحملوا على عاتقهم مهمة الترويج لتلك الشبهات، التي لا يمكن قبولها من شخص أعجمي الدم أو اللسان، ولكن إذا جاءت من (مثقف) عربي فذلك أدنى أن تقبل بين جماهير العوام وأنصاف المتعلمين.
وكان لهذا أثر بالغ، والسبب الأول في تمكن الاستعمار من هذه البلاد العربية والإسلامية. وحتى بعد تصفية الاستعمار، استمرت التبعية العربية للدول الغربية عن طريق هؤلاء الذين يتلقفون كلام المستشرقين ويتقممون أفكارهم، ثم يعودون إلى بلادهم يفرضونها بالغلبة والقهر لا بقوة الحجة وظهور البرهان ومقارعة العقول.
وهذا لم يحدث فقط مع الدول العربية والإسلامية، فالثقافة كانت الميدان الذي حسم التفوق الغربي على السوفيات في الحرب الباردة، والتي جرت فصولها في ثلاثة، ميدان التسلح وميدان الجواسيس وميدان التوسع، ورغم التفوق السوفياتي في ميداني التسلح والتجسس، إلا أن الميدان الثالث حسم لصالح الغرب باستغلال الآلة الإعلامية للترويج للثقافة الغربية وأسلوب حياتها ونمط عيشها، فكان هذا الذي حمل الشعوب السوفياتية إلى طلب الانفصال للإلتحاق بركب الثقافة الغربية البراقة (فكما ترى فإن التكنولوجية المتمثلة في أساليب الإعلام لم تكن إلا وسيلة لخدمة الثقافة وأن الأصل في بقاء الأمم هو بقاء ثقافتها)
وحتى ما يحدث الآن من صراع فهو صراع ثقافي تستغل فيه التكنولوجيا الحربية، ولهذا كان أول شيء حدث هو منع وصول الأدب والثقافة الروسية إلى الجماهير الأوروبية، ومحاربة اللغة الروسية.
الصراع في أصله هو صراع مناهج، والثقافة هي الركن المتين في منهج كل أمة، وأي خلل يقع فيها فهو خلل في الأركان، والشيء إذا زال ركنه أو إختل زال، فإذا زالت أو تشوهت ثقافة أمة زال المنهج الذي يميزها ويستدل به عليها، وفقدت أدواتها التي تستخدمها في القبول والرد والمعرفة الإنكار، وأصبح عقلها مشتتا ضائعا تائها في الصحراء, أما التطور العلمي والتقني فلم يخل منه عصر من العصور البشرية، وذلك حسب ما تقتضيه حوائج البشر في كل زمن.

أيوب نصر
باحث في المذاهب الفكرية والعقائد والاستشراق،
أبرز النقاط في المقال 📌
📌 الثقافة العالية هي الركن المتين لبناء منهج العلم والفكر في كل أمة.
📌 التكنولوجيا زائلة ومتحولة، ولا تحل محل الثقافة كضمان لبقاء الأمم.
📌 الاستشراق كان أداة لحماية العقل الأوروبي وهدم الثقافة العربية والإسلامية.
📌 استغلال الإعلام والثقافة كان العامل الحاسم في الحرب الباردة وتفوق الغرب على السوفيات.
📌 الصراع الحالي هو صراع مناهج وثقافات أكثر من كونه مجرد صراع تكنولوجي أو عسكري.
📌 بقاء الأمة مرتبط بحماية ثقافتها ورفع مستوى وعيها ومناهجها التعليمية والفكرية.



