باقلامهم
أخر الأخبار

صواريخ إيران الجديدة: قفزة نوعية تهدد ميزان القوى الإقليمي

في ظل اقتراب عودة العقوبات الأممية، يعمل إيران بوتيرة متسارعة على استعادة قدراتها الصاروخية. وتشير الصور الفضائية إلى أعمال واسعة النطاق في مواقع رئيسية، غير أن غياب المعدات الحيوية — الخلاطات الكوكبية المستخدمة في إنتاج الوقود الصلب — يثير تساؤلات حول إمكانية تحقيق السيادة التكنولوجية الكاملة.

صواريخ إيران الجديدة: قفزة نوعية تهدد ميزان القوى الإقليمي

 

✍️📚كتب: دينيس كوركودينوف، المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤات السياسية “DIIPETES”
في ظل اقتراب عودة العقوبات الأممية، يعمل إيران بوتيرة متسارعة على استعادة قدراتها الصاروخية. وتشير الصور الفضائية إلى أعمال واسعة النطاق في مواقع رئيسية، غير أن غياب المعدات الحيوية —
الخلاطات الكوكبية المستخدمة في إنتاج الوقود الصلب — يثير تساؤلات حول إمكانية تحقيق السيادة التكنولوجية الكاملة. هذا النقص قد يشكّل العقبة الأساسية أمام طموحات طهران في بناء ترسانة من الصواريخ الباليستية الموثوقة القادرة على تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط.إعادة تأهيل المنشآت الصاروخية التي تضررت خلال النزاعات الأخيرة تُظهر بوضوح الأولوية العليا التي تمنحها طهران لقدراتها الصاروخية باعتبارها أداة ردع أساسية. ووفقًا لتحليل الصور الفضائية،

تجري أعمال بناء واسعة في موقعين استراتيجيين:

منشأة بارشين لإنتاج وقود الصواريخ، ومصنع شاهروود للمحركات الصلبة. وتُظهر الصور هياكل جديدة وأعمال ترميم للمباني، بما في ذلك ورش خلط الوقود، ما يشير إلى سعي إيران لاستعادة قدراتها المفقودة في أقصر وقت ممكن. ومن اللافت أن المنشآت النووية المتضررة لا تشهد نشاطًا مماثلًا، وهو ما يوضح بجلاء أولويات طهران في ظل الأزمة.

لكن خلف واجهة النشاط الإنشائي المكثف تكمن مشكلة خطيرة قد تُبطئ البرنامج بأكمله. إذ لا تزال الخلاطات الكوكبية الكبيرة — وهي معدات عالية التقنية ضرورية لإنتاج الوقود الصلب المتجانس وعالي الطاقة — غائبة عن المواقع الرئيسية. ولا يمكن التقليل من أهمية هذه الأجهزة، إذ تشكّل الحجر الأساس في إنتاج الصواريخ العاملة بالوقود الصلب. فمزايا هذا النوع من الصواريخ هي التي تحدد الاستراتيجيات العسكرية الحديثة، إذ يمكن إطلاقها بسرعة تفوق الصواريخ العاملة بالوقود السائل، وهو أمر حاسم في ظروف النزاع.

ويتكوّن الوقود الصلب من مزيج معقد من بيركلورات الأمونيوم والألمنيوم ومادة رابطة بوليمرية، حيث تعتمد جودة الصاروخ مباشرة على درجة تجانس هذا المزيج.

وتضمن الخلاطة الكوكبية عملية مزج مكثف ومتجانس للغاية للمكونات اللزجة، من خلال مبدأ تشغيل خاص يجعل شفراتها تدور حول المحور المركزي وحول محورها الخاص في الوقت نفسه.

تُعد القدرات الصاروخية الإيرانية من بين الأبرز في الشرق الأوسط وتشكل الركيزة الأساسية للعقيدة العسكرية الإيرانية. فقبل اندلاع المرحلة النشطة من الصراع، قُدّر ترسانة إيران بنحو 3000 صاروخ كروز وباليستي. ومن بين الصواريخ الباليستية متوسطة المدى القادرة على الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية، تحتل عدة طرازات مكانة رئيسية:

  • غادر-110 (Ghadr-110)، وهو نسخة مطوّرة من شهاب-3 (Shahab-3) مزوّد بنظام ملاحة بالقصور الذاتي وقادر على حمل رأس حربي يزن حتى 1000 كغ لمسافة تصل إلى 2000 كم.
  • عماد (Emad) يتميز بدقة أعلى ويحمل رأسًا متفجرًا يزن حتى 750 كغ.
  • خيبر شيكان (Kheibar Shekan) يمكنه حمل رأس حربي مناورة بوزن يصل إلى 550 كغ، مما يجعل اعتراضه بأنظمة الدفاع الجوي أكثر صعوبة.

إلا أن القلق الحقيقي على الساحة الدولية تثيره التطورات الأحدث، التي تمثل قفزة نوعية في التكنولوجيا الإيرانية. ففي أيلول/سبتمبر 2025، تم رصد اختبار صاروخ “خرمشهر-4” (Khorramshahr-4) القادر على حمل رأس حربي منفصل بوزن يصل إلى 1500 كغ. علاوة على ذلك، أعلنت السلطات الإيرانية عن امتلاكها صاروخًا فرط صوتيًّا “فتاح-2” (Fattah-2) قادرًا على تغيير مسار الطيران وتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، بمدى يصل إلى 1500 كم. لكن الحدث الأبرز تمثّل في إعلان إيران عن أول اختبار لصاروخ باليستي عابر للقارات في ليلة 18 أيلول/سبتمبر 2025، ما يُعد انتقالًا من الردع الإقليمي إلى الاستراتيجي.

وتواجه إيران الآن خيارًا صعبًا في كيفية التغلب على اعتمادها على استيراد التقنيات الحيوية:

الخيار الأول:الشراء من السوق السوداء، حيث اعتادت إيران تاريخيًا الحصول على المكونات من الصين. إلا أن تفعيل آلية “سناب باك” وعودة العقوبات الأممية سيُضيّق هذا المسار بشدة.

الخيار الثاني: تطوير الإنتاج المحلي، غير أن تصنيع الخلاطات الكوكبية عالية الدقة يُعد مهمة بالغة التعقيد تتطلب فولاذًا خاصًا وهندسة ميكانيكية فائقة الدقة.

الخيار الثالث: وهو ما تستخدمه إيران على نطاق واسع، يتمثل في التغطية ببرامج الفضاء المدنية. إذ يتيح إطلاق الأقمار الصناعية بواسطة صواريخ ناقلة اختبار تقنيات تتقاطع مباشرة مع تكنولوجيا الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، ما يوفر غطاءً قانونيًا لتطوير مشاريع محظورة.

ويجب فهم إعادة بناء القدرات الصاروخية الإيرانية ضمن الإطار العام للوضع العسكري الاستراتيجي. فبعد الضربات الإسرائيلية التي دمّرت جزءًا كبيرًا من منصات الإطلاق ومخزون الصواريخ الباليستية، أصبح استعادة هذه القدرات مسألة أمن قومي بالنسبة لطهران.

وتعتبر القيادة الإيرانية أن الترسانة الصاروخية وسيلة ردع رئيسية وأداة ضغط في المفاوضات مع الغرب. كما أن الإعلانات العلنية عن اختبارات صواريخ عابرة للقارات إلى جانب صمت القيادة الرسمي تمثل عنصرًا كلاسيكيًا من استراتيجية “التصعيد المحسوب”، الهادفة إلى إظهار الثمن الباهظ لأي مواجهة محتملة.

 

 

إن وتيرة البناء المتسارع في بارشين وشاهروود تشير إلى أن الترميم المادي للبنية التحتية قد يُستكمل في غضون أشهر قليلة. غير أنه دون حلّ مشكلة الخلاطات الكوكبية، من غير المرجح أن تحقق إيران قفزة نوعية في برنامجها الصاروخي. لذا، من المستبعد أن تتخلص طهران تمامًا من تبعيتها التقنية أو أن تُنشئ دورة إنتاج كاملة للصواريخ الباليستية الحديثة العاملة بالوقود الصلب قبل نهاية عام 2026.

 

ويبدو السيناريو الأكثر واقعية هو زيادة إنتاج النماذج المجربة من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى.
وبالتالي، ورغم إظهار طهران تصميمًا واضحًا على تعزيز قدراتها الباليستية، فإن غياب الوصول إلى التكنولوجيا الحيوية سيظل العامل الكابح الأساسي الذي يقيّد طموحاتها في بناء ترسانة موثوقة من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات في المستقبل القريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »