كتب إدريس آيات:قمة العشرين 2025 في جنوب أفريقيا: العالم لم يعد يسير بإملاءات الولايات المتحدة
أو بعدما فشل التنمّر الأمريكي ضد جنوب أفريقيا، واشنطن تتحدّى إرادة بريتوريا من جديد:

🌍 قمة العشرين 2025 في جنوب أفريقيا: العالم لم يعد يسير بإملاءات الولايات المتحدة
✍️ كتب إدريس آيات: متخصص في العلوم السياسية، وخبير في الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأفريقية
أو بعدما فشل التنمّر الأمريكي ضد جنوب أفريقيا، واشنطن تتحدّى إرادة بريتوريا من جديد:
في منتصف عام 2024 وامتدادًا إلى 2025، تفجّر سجال سياسي غير مسبوق بين الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا بعدما شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملةً صاخبة دعا فيها صراحةً إلى إخراج جنوب أفريقيا من مجموعة العشرين، معلنًا أنّه هو وأيّ مسؤول من إدارته لن يحضروا قمة مجموعة العشرين المقرر انعقادها في جوهانسبرغ.
استند ترامب في هجومه إلى مزاعم يعود ترويجها إلى أوساط يمينية متطرفة في الولايات المتحدة، تتحدث عن “إبادة البيض” في جنوب أفريقيا، وهي مزاعم فنّدتها مؤسسات أمريكية رسمية ولجان حقوقية دولية، كما دحضها حلفاء واشنطن الأوروبيون أنفسهم، مؤكّدين أنه لا وجود لأي سياسة أو ممارسة تحمل سمات إبادة جماعية، وأن الوضع الحقيقي يتعلق بمشروع وطني لإعادة توزيع الأراضي بما يحقق العدالة التاريخية بعد عقود من نظام الفصل العنصري الذي مكّن الأقلية البيضاء – رغم كونها أقلية عددية – من السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي استُحوذ عليها خلال الحقبة الاستعمارية( 70٪ من الأراضي الزراعية رغم أنها لا تمثل أقل من 5٪ من السكان).
ورغم هذا الإرث الثقيل، حافظت جنوب أفريقيا بعد 1994 وانتصار مانديلا على المستعمرين البيض على نموذج تصالحي استوعب أبناء الأقلية البيضاء من أبناء المستعمرين والمستوطنين، وضمن لهم المواطنة الكاملة، وهو ما يجعل الاتهامات الأمريكية فاقدة للاتساق السياسي والأخلاقي.
في المقابل، جاء ردّ الرئيس الجنوب أفريقي حاسمًا ومباشرًا؛ إذ اعتبر تهديد ترامب “خسارة للولايات المتحدة قبل أن يكون خسارة لجنوب أفريقيا”، معلنًا أنّ بلاده غير معنية بانفعالات سياسية لا تليق بدولة تزعم قيادة النظام الدولي. وأضاف أنّ قمة العشرين ستُعقد في موعدها بحضور جميع الدول الكبرى، بما فيها الصين والهند والبرازيل وروسيا والاتحاد الأوروبي ودول أمريكا اللاتينية، وأنّ عزلة واشنطن — إن اختارتها — لن تُعطل مسار مجموعة العشرين ولا ديناميكية التحول العالمي نحو تعددية قطبية أكثر توازنًا.
وزاد في الطنبور نغمًا، حين ضغط ترامب على جنوب أفريقيا بأنْ لا يصدروا بيانًا ختامياً ما دامت واشنطن لم تحضر؛ في خطوة تعكس جنون العظمة لدى ساكن البيت الأبيض.
ومن دون مفاجأة أعلن رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، عشية القمة، أن بلاده لن تخضع للتنمر الأميركي، في ردّ صارم على قرار واشنطن مقاطعة قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ. فالموقف الأمريكي المصحوب بضغطٍ غريب – بمطالبة جنوب أفريقيا بالامتناع عن إصدار البيان الختامي التقليدي لقادة المجموعة، رغم أن الاجتماع يضم ممثلين عن نحو أربعين دولة- فسّر بأنها هلوسة دبلوماسية، ومن أين يأتي ترامب بكل هذه الجرأة، هل يجب أن تتوقف الأرض عن الدوران، فقط لأن واشنطن ترغب ذلك.
لذلك وفي افتتاح القمة، قال رامافوزا، بعبارة موجّهة بوضوح نحو واشنطن:
“لا يمكن أن يحدد الموقع الجغرافي أو مستوى الدخل أو حجم الجيوش من له الحق في رفع صوته، ومن يُتعامل معه باستخفاف. نقولها بوضوح: لا للتنمر.”
وكرر المعنى ذاته في خطاب أمام منظمات المجتمع المدني قبيل القمة، مؤكدًا:
“لا ينبغي لأي دولة أن تُمارس التنمر على دولة أخرى.”
لتصعّد واشنطن من نبرة تنمرّها أنها لا يمكنها دعم أي وثيقة نهائية يتم التوصل إليها تحت رئاسة جنوب أفريقيا. بل ذهبت أبعد، معلنة أنها تعترض على صدور أي بيان ختامي دون موافقتها.
وهنا جاء الرد الجنوب أفريقي حاسمًا. فقد قال رامافوزا:
“لن أقبل بتوجيهات دولة غائبة.”
كما أعلن وزير الخارجية الجنوب-أفريقي رونالد لامولا أن بلاده ستمضي قدمًا في إصدار إعلان القادة، مضيفًا:
“لن يُملي علينا أي غائبٍ أن نمتنع عن اتخاذ قرار أو إصدار إعلان.”
أما المفارقة الأبرز، فتمثلت في أن الولايات المتحدة—بعد ساعات من التصعيد—غيرت موقفها وأرسلت القائم بالأعمال من سفارتها للمشاركة.
لكنّ جنوب أفريقيا رفضت مشاركته، مؤكدة أن القمة هي قمة قادة، لا ساحة لممثلي الصفوف الدنيا، أو القائمين بالأعمال في السفارات، وهي إهانة أخرى لم تتحملها واشنطن.
إضافة إلى أن جنوب أفريقيا وكل المشاركين أصدروا بيانًا ختامياً برضى جميع الحاضرين.
الأدهى والأمرّ من جميع ما سبق، أنّ إدارة ترامب طلب من جميع الدول الحليفة أن تمتنع عن المُشاركة في القمة، التي هي الأولى على الأراضي الأفريقية، لكن المفاجأة أنّ الجميع تجاهل طلب ترامب، ولم يستجب إلا الأرجنتين، تلك الدولة التي يقودها رجل غريب الأطوار، أكبر همّه أن يكون شعبويًا على غرار ترامب.
لكنّ تطورًا حاسمًا طرأ يوم أمس، قلب المشهد رأسًا على عقب، وأربك كل الحسابات.
▪️ما الذي حدث؟
حدث أنّه مع اقتراب موعد رئاسة أمريكا لمجموعة العشرين العام المقبل، يفرض البروتوكول على الدولة التالية أن تحضر القمة لتتسلّم رسميًا قيادة الدورة المقبلة. غير أنّ بريتوريا تمسكت بموقف صارم: لن تتسلم واشنطن رئاسة المجموعة عبر اتصال افتراضي ولا عبر موظف من الدرجة الثانية. فإذا أرادت أمريكا احترام التقاليد، فعليها إرسال مسؤول رفيع إلى جنوب أفريقيا، وإلا فلن يُعترف بتسلمها للرئاسة.
وهكذا، تهاوت استراتيجية ترامب تباعًا: فشل في تفجير القمة من الداخل، وفشل في عزل جنوب أفريقيا دوليًا، بل إن محاولته لحشد الرأي الدولي ضد بريتوريا ارتدّت عليه. وكعادة كل متنمّر، كلما صمدت الضحية ولم تنكسر، ازداد غضبه وفقدان توازنه.
وبالفعل، انفجر الغضب الأمريكي بالأمس، وبدأت الحسابات المقرّبة من ترامب، وترامب نفسه؛ هجومًا مباشرًا على جنوب أفريقيا. حيث خرج بتغريدة طويلة، أعلن فيها — بانفعال واضح — أنه لن يوجّه دعوة لجنوب أفريقيا لحضور قمة العشرين المقبلة خلال رئاسته، وأنه سيجمّد برامج المساعدات الأمريكية لجنوب أفريقيا، بل ذهب أبعد، قائلاً إن هذا البلد “لا يستحق” عضوية المجموعة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ دعا ترامب — في خطوة تعكس العقلية العرقية التي تشكّل خلفيته السياسية — إلى استبدال جنوب أفريقيا بعضوية بولندا، الأقرب إلى أبناء عمومته البيض.
وما إن أعلنت أمريكا وقف مساعداتها لبرنامج الإيدز لجنوب أفريقيا، حتى سارعت الصين إلى ملء الفراغ، متعهدة بتغطية كامل التمويل، في خطوة تُجسّد روح التآزر داخل معسكر البريكس في مواجهة الضغوط الأمريكية.
لقد كانت تصرفات ترامب في السابق تثير قدراً من الضحك، لكنها هذه المرة تقترب من حدود الشفقة المشوب بالاشمئزاز؛ إذ لا يدرك الرجل أنه بهذا السلوك يُهدر ما تبقى من هيبة أمريكا، القوة العسكرية والاقتصادية الأضخم في العالم، حين ينزل بنفسه إلى مستوى مناكفة دولة نامية تسعى فقط إلى شق طريقها بكرامة.
يتابع العالم هذا المشهد وكأنه يقرأ فصول رواية كلاسيكية:
شريرٌ متغطرس مقابل خصمٍ صغير لكنه صاحب حق. وفي كل الحكايات والروايات وكما في الأفلام والمسلسلات، يتعاطف البشر تلقائيًا مع الطرف الضعيف الذي يدافع عن كرامته، إنّهم مبرمجون بيولوجيًا هكذا.
بالنسبة للعالم، إنّ الحملة الترامبية ضد جنوب أفريقيا نسخة جديدة من قصة داوود في مواجهة جالوت؛ جنوب أفريقيا التي لا تملك إلا احترام نفسها، في مواجهة الولايات المتحدة التي تتصرف كقوة لا تحتمل الاعتراض.
ولهذا السبب، يجد العالم شيئًا من المتعة في رؤية فشل واشنطن في كسر إرادة دولة -كجنوب أفريقيا- أضعف منها بآلاف المرات.
ويدرك الجميع أن حملة ترامب ليست سوى صدى لضغوط اللوبي الصهيوني؛ فمنذ أن رفعت جنوب أفريقيا دعواها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، تتعامل الدوائر الغربية معها بمنطق “التأديب”.
وليس من المصادفة أن أكثر القنوات احتفالًا بهجمات ترامب على جنوب أفريقيا هي القنوات العبرية؛ فالمعركة بالنسبة لها ليست سياسية فحسب، فيه شيء من الثأر أيضًا.
▪️ منظور جيوسياسي للتراشق الإعلامي:
من زاوية جيوسياسية أعمق، يُظهر هذا السجال تراجع الهيبة الاستراتيجية للولايات المتحدة تحت إدارة ترامب؛ إذ لم تعد واشنطن قادرة على فرض رؤيتها على الدول الجنوبية الصاعدة، ولا على تشكيل الإجماع الدولي كما كانت تفعل قبل عقدين. بل إن هذه المواقف الانفعالية، تفتح الباب أمام مزيد من التمدّد الصيني والروسي والهندي في أفريقيا، وتعزز من مكانة جنوب أفريقيا كقوة إقليمية ذات استقلالية استراتيجية.
إنّ مهاجمة جنوب أفريقيا – وهي دولة محورية في مجموعة البريكس، وواجهة القارة نحو نظام عالمي متحوّل – لم يؤدِّ إلا إلى تقوية موقعها التفاوضي، وإظهار الخطاب الأمريكي وكأنه منفصل عن الوقائع في القارة.
الخلاصة الأبرز أنّ الضغط الأمريكي لم يعد يُنتج امتثالاً كما في السابق، وبذلك، تُثبت الولايات المتحدة مرة أخرى، تحت إدارة ترامب، أنّ ارتباك القوة العظمى يفسح المجال لولادة توازنات جديدة، وأنّ العالم لا ينتظر واشنطن لتحديد اتجاهه، بل يتحرك على إيقاع قوى صاعدة لم تعد تخشى التهديدات ولا الضغوط، بل تحوّلها إلى فرص لبناء نظام دولي أكثر تنوعًا وأقل خضوعًا للهيمنة التقليدية.
وكان هنري كيسنجر – وزير الخارجية الأمريكي نفسه هو الذي قال (من كتابه World Order الصادر 2014)
«الدول التي تعتقد أن المقاطعة تُظهر قوتها، تكتشف لاحقًا أنها فقدت صوتها حين صيغت القرارات بغيابها.»
وبصراحة، إذا كانت هنالك دولة تستطيع أن تضع واشنطن عند حدودها، فهي جنوب أفريقيا. بلدٌ لم يخضع للابتزاز الإسرائيلي منذ رفع دعواه أمام محكمة العدل الدولية، ولن يخضع لأوهام ترامب أو غيره.
هكذا تكون الدبلوماسية ذات الكرامة، وهكذا تتصرف دولة تعرف وزنها.
وأقولها يقينًا: من جنوب أفريقيا يجب أن تتعلم أفريقيا كيف ترفع رأسها.
قمة العشرين 2025 أكدت أن العالم لم يعد يسير وفق إملاءات الولايات المتحدة.
حملة ترامب ضد جنوب أفريقيا فشلت رغم الضغوط الإعلامية والدبلوماسية الكبيرة.
مزاعم “إبادة البيض” التي استخدمها ترامب تم تفنيدها من جهات أمريكية وأوروبية رسمية.
جنوب أفريقيا حافظت على إرث مانديلا التصالحي ومنحت الأقلية البيضاء المواطنة الكاملة.
بريتوريا أكدت أن قمة العشرين ستستمر بحضور القوى الكبرى رغم مقاطعة واشنطن.
ترامب طلب منع إصدار البيان الختامي… لكن جنوب أفريقيا رفضت “التنمر”.
الولايات المتحدة حاولت إرسال قائم بالأعمال لكن جنوب أفريقيا رفضت حضوره.
كل الدول الحاضرة – باستثناء الأرجنتين – تجاهلت دعوة ترامب لمقاطعة القمة.
بريتوريا رفضت تسليم رئاسة الدورة القادمة لأمريكا إلا بحضور مسؤول رفيع.
الصين سارعت لملء فراغ المساعدات بعد قطع واشنطن تمويل برنامج الإيدز.
إسرائيل كانت الجهة الأكثر تشجيعًا لهجوم ترامب بسبب قضية محكمة العدل الدولية.
العالم رأى المشهد كقصة مواجهة بين “داوود وجالوت”: الضعيف صاحب الحق ضد المتغطرس.
أزمة ترامب كشفت تراجع الهيبة الأمريكية أمام صعود قوى الجنوب العالمي.
السلوك الأمريكي الانفعالي منح جنوب أفريقيا قوة تفاوضية أكبر في أفريقيا والعالم.
الخلاصة: العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب… وجنوب أفريقيا أثبتت أن زمن الخضوع لواشنطن انتهى.



