سيناريو حرب مؤجلة: إسرائيل تُعيد هندسة شروط الصراع استعدادًا لانقضاض محتمل
منذ انتهاء الحرب اللبنانية عام 1990 ظلّ ملف السلاح خارج الدولة يمثل أحد أكثر القضايا حساسية في البنية السياسية والأمنية اللبنانية. فقد ارتبط سلاح حزب الله بمنظور وطني ــ وفق الخطاب المحلي ــ يقوم على الردع في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، فيما ظلّ بالنسبة لإسرائيل عامل تهديد دائم لميزان القوى على الحدود الشمالية. ومع كل مواجهة عسكرية أو تصعيد سياسي، يعود هذا السلاح ليشكّل نقطة اشتباك إقليمي، يتجاوز حدود القرار اللبناني ليصبح جزءًا من لعبة النفوذ الدولي في الشرق الأوسط.

سيناريو حرب مؤجلة: إسرائيل تُعيد هندسة شروط الصراع استعدادًا لانقضاض محتمل
كتب الخبير الاستراتيجي و الأمني الأستاذ الدكتور
✍️حكيم غريب الجزائر
منذ انتهاء الحرب اللبنانية عام 1990 ظلّ ملف السلاح خارج الدولة يمثل أحد أكثر القضايا حساسية في البنية السياسية والأمنية اللبنانية. فقد ارتبط سلاح حزب الله بمنظور وطني ــ وفق الخطاب المحلي ــ يقوم على الردع في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، فيما ظلّ بالنسبة لإسرائيل عامل تهديد دائم لميزان القوى على الحدود الشمالية. ومع كل مواجهة عسكرية أو تصعيد سياسي، يعود هذا السلاح ليشكّل نقطة اشتباك إقليمي، يتجاوز حدود القرار اللبناني ليصبح جزءًا من لعبة النفوذ الدولي في الشرق الأوسط.
تتعامل تل أبيب مع هذا الملف بوصفه ورقة ضغط يمكن تحويلها إلى مبرّر للحرب ضمن إطار قانوني وأمني دولي جديد، مستندةً إلى مهلة زمنية وضعتها واشنطن كشرط لإنهاء مرحلة وقف إطلاق النار. بذلك يتحوّل مطلب نزع السلاح إلى أداة استراتيجية لاختبار السيادة اللبنانية، وإعادة صياغة حدود الردع، وإجبار الدولة على تموضع جديد داخل منظومة إقليمية تتشكل تحت مظلة النفوذ الأميركي.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يُراد من نزع السلاح إعادة بناء الدولة اللبنانية، أم إعادة تفكيكها وفق خرائط جديدة للصراع؟
إن إجبار لبنان على تفكيك القدرة العسكرية لطرف داخلي عبر ضغط خارجي مسلّح لا يبدو محاولة لتوحيد السلاح في يد الدولة، بقدر ما يبدو مشروعًا لإعادة صياغة الدولة عبر صدمة بنيوية قد تُنتج تسوية قسرية أو انهيارًا شاملًا، تبعًا للبيئة الإقليمية وميزان القوة في المنطقة.
التحليل الأمني لسيناريو الحرب المحتملة
في ضوء تهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي بإمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري لإجبار حزب الله على التخلي عن سلاحه، يتشكل مسار تصعيدي يمكن تحليله ضمن مقاربة أمنية–استراتيجية تحكمها ثلاثة مستويات مترابطة: ميزان الردع، معادلة الحدود، والسياق الإقليمي الحاكم لطبيعة الصراع. فالرهان الإسرائيلي لا يقوم على حرب شاملة بقدر ما ينطلق من توظيف الضغط العسكري كأداة سياسية تستبق أي تغيير استراتيجي داخل لبنان، وتعيد تعريف وظيفة القوة المسلحة في بيئة حدودية تبحث منذ سنوات عن توازن جديد.
يتأسس سيناريو الحرب المحتملة على فرضية أن نزع السلاح، في حال ضمان عدم حصوله عبر تسوية سياسية، قد يُفرض عبر صدمة عسكرية محدودة ومدروسة، تشبه “عملية تصحيح ميداني” تهدف إلى إضعاف قدرات الحزب النوعية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذه المقاربة تفترض القدرة على توجيه ضربات دقيقة تعيد رسم قواعد الردع وتمنع إعادة بناء المنظومات الصاروخية، بما يسمح لإسرائيل بادعاء تحقيق نجاح استراتيجي من دون تحمّل كلفة حرب مفتوحة طويلة الأمد. غير أن هذا السيناريو يظل رهين معادلة معقدة، إذ إن أي ضربة محدودة قد تتحول بفعل طبيعة الرد إلى مواجهة واسعة لا يمكن التحكم بمساراتها، خصوصًا أن الحزب بات مرتبطًا بسياق إقليمي تعتبر فيه طهران أن أي تغيير جذري في موازين القوى على الحدود اللبنانية سيكون موجّهًا ضدها استراتيجيًا.
في المقابل، تبدو تل أبيب مدركة أن الحرب الشاملة تعني استنزافًا مكلفًا في ظل تعدد الجبهات، من غزة إلى الضفة الغربية، وصولًا إلى البحر الأحمر، الأمر الذي يدفعها إلى تبني سياسة “الردع الوقائي”، أي استخدام تهديد الحرب لفرض تنازلات سياسية دون قرار فعلي بخوضها. هذا النهج يقوم على تسييل القوة العسكرية كرأس مال سياسي، لا كأداة قتال مباشر، بما يجعل الحرب أقرب إلى ورقة ضغط تفاوضية تستهدف تفكيك ترسانة الحزب تدريجيًا تحت سقف الوقت والتهديد لا ساحة المعركة.
على المستوى اللبناني، تمثل أي مواجهة عسكرية تهديدًا مباشرًا لبنية الدولة، ليس فقط بسبب الكلفة البشرية والاقتصادية المحتملة، بل لأن الحرب قد تُعيد إنتاج اصطفافات أهلية تُضعف قدرة المؤسسات على التحكم بمسار الأمن الداخلي. في هذه الحالة، يتحول مطلب نزع السلاح إلى عامل ضغط سياسي قد يُستثمر لإعادة صياغة السلطة، وفرض معادلات داخلية جديدة في مرحلة ما بعد الحرب، وهو ما يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أعمق تستهدف إعادة هندسة النظام اللبناني بدل تعزيز سيادة الدولة.
إن سيناريو الحرب لا يُفهم بوصفه مجرد مواجهة عسكرية، بل كأداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني في لبنان. فالحرب المحتملة ليست نهاية المسار بل قد تكون مدخله، ولا تهدف بالضرورة إلى الانتصار العسكري بقدر ما تهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي والخارجي، عبر تحويل فكرة تفكيك الترسانة من مطلب تفاوضي إلى واقع سياسي يُفرض بآليات مختلفة. بناء على ذلك، تصبح إدارة الوقت والتصعيد المحدود، لا الحرب الشاملة، هي محور الاستراتيجية الإسرائيلية التي تتعامل مع لبنان كساحة لإعادة اختبار الردع، وليس كأرض لمعركة حاسمة.
يُظهر المشهد اللبناني حيال ملف نزع سلاح حزب الله مزيجًا من الحسابات السياسية والهواجس الوجودية، إذ تتوزع مواقف القوى المحلية بين من ينظر إلى السلاح باعتباره عنصر قوة وردع، وبين من يراه مصدر تهديد للدولة وسيادتها، وبين طرف ثالث يخشى تداعيات فرض هذا السلاح أو نزعه بالقوة على بنية الدولة والمجتمع. هذه المواقف لا تنفصل عن بنية النظام السياسي الطائفي الذي يجعل أيّ تغيير أمني أو عسكري جزءًا من معادلة أوسع تتجاوز التخطيط الاستراتيجي إلى إدارة التوازنات والهويات السياسية داخل الدولة.
بالنسبة إلى القوى الداعمة للسلاح، وعلى رأسها حزب الله وحلفاؤه، يمثل السلاح ليس فقط أداة دفاعية في مواجهة إسرائيل، بل جزءًا من معادلة توازن داخلي يحول دون فرض أي مشروع سياسي قد يستثمر في نزع السلاح لتغيير موازين الحكم. من منظور هذه الأطراف، نزع السلاح تحت ضغط خارجي يُعد تهديدًا بنقل القرار الوطني إلى قوة دولية، وتقويضًا لشرعية المقاومة التي تُقدَّم كجزء من منظومة الدفاع الوطني. لذلك، يتعامل هذا الفريق مع مطلب النزع بوصفه مشروعًا لإعادة تشكيل هوية الدولة لا خطوة لتقوية مؤسساتها.
أما القوى المعترضة على استمرار السلاح خارج الدولة، فتتعامل مع الملف باعتباره أساس اختلال ميزان السيادة، وسببًا لجرّ لبنان إلى مواجهات لا قرار للدولة فيها، إضافة إلى اعتباره عاملًا يعيق بناء اقتصاد مستقر وجذب استثمارات دولية. ومع ذلك، تدرك هذه القوى أن نزع السلاح بالقوة، عبر حرب أو قرار خارجي، يحمل مخاطر تفجير داخلي قد يطيح باستقرار الدولة كاملًا، ولذلك يجد جزء كبير منها نفسه في موقع حرج بين رفض بقاء السلاح من دون ضوابط، والخشية من طريقة نزع هذا السلاح وآليات فرضه.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية، ممثلة بالمؤسسات الرسمية والجيش، في موقع ملتبس بين الحياد والتورط غير المباشر. فمن جهة، تسعى الحكومة إلى تقديم نفسها كصاحبة القرار الحصري في ملف السلاح، من خلال خطط لحصر السلاح بيد الدولة والاستفادة من الغطاء الدولي لهذه العملية. ومن جهة ثانية، تعجز فعليًا عن السيطرة على هذا الملف في ظل القدرات المحدودة للجيش، وغياب توافق داخلي، واستمرار الخروقات الإسرائيلية التي تُضعف قدرة المؤسسة العسكرية على الانتشار الفاعل في الجنوب. بذلك، يتحول الجيش إلى طرف مكلف بإدارة ملف لا يمتلك أدوات حسمه، والدولة إلى وسيط داخل حدودها بين القوى الدولية والفاعلين المحليين.
من هنا، يمكن القول إن موقف الأطراف اللبنانية ليس مجرد خلاف سياسي حول السلاح، بل تعبير عن تباين في تصور وظيفة الدولة نفسها. فإذا كان السلاح بالنسبة للبعض ضمانة سيادية، فهو بالنسبة للبعض الآخر عائق أمام قيام هذه السيادة. وبين هذا وذاك، يظهر التحدي الأكبر: أن نزع السلاح بالقوة لا يصطدم فقط بقدرات حزب الله، بل بالبنية الداخلية للدولة وإمكانية تحول عملية النزع إلى لحظة تغيير جذري في شكل الدولة أو بداية انهيارها البنيوي. هكذا يصبح السؤال داخل لبنان ليس «هل ينزع السلاح؟» بل «كيف يتم ذلك؟ ومن سيملك الدولة بعد هذه العملية؟»
مقاربة قانونية لمفهوم “نزع السلاح تحت الإكراه”
يُطرح مفهوم نزع السلاح تحت الإكراه كإحدى الإشكاليات القانونية الأكثر تعقيدًا في العلاقات الدولية، خصوصًا عندما يرتبط بسلاح فاعل غير دولتي ضمن دولة ذات سيادة، كما هو الحال في لبنان مع حزب الله. هذا المفهوم لا يمكن قراءته فقط ضمن إطار استراتيجيات الردع أو ميزان القوى، بل يجب تفكيكه وفق مجموعة مبادئ قانونية دولية تحكم مشروعية استخدام القوة، حدود السيادة، وطبيعة الفاعلين داخل الدولة.
وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، لا يجوز استخدام القوة أو التهديد بها إلا في حالتي الدفاع الشرعي عن النفس أو بقرار صادر عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع. وعليه، فإن فرض نزع السلاح بالقوة من خارج الدولة، دون طلب أو تفويض رسمي منها، يُعد فعلًا مخالفًا لقاعدة عدم جواز استخدام القوة في العلاقات الدولية. كما أن اللجوء إلى التهديد بالحرب لإجبار دولة أو طرف داخلها على تغيير وضعه العسكري يُصنف ضمن الإكراه المحظور دوليًا
》Prohibited Coercion《،
وهو نوع من الاستخدام غير الشرعي للقوة يهدف إلى انتزاع قرار سياسي أو سيادي من دولة مستقلة.
إضافة إلى ذلك، يُحظر القانون الدولي استهداف القدرات العسكرية لجهة غير حكومية داخل دولة ذات سيادة خارج إطار تفويض واضح وصريح من مؤسساتها الشرعية. فحتى في حال اعتُبر السلاح مصدر تهديد خارجي، فإن التعامل معه يجب أن يخضع لآليات قانونية داخلية أو لتوافق وطني، يستند إلى شرعية داخلية لا يمكن استبدالها بشرعية مفروضة من الخارج. وأي تجاوز لهذه القاعدة يُعد تدخلًا يمسّ الركائز السيادية للدولة ويقوّض استقلالها المؤسسي.
كما أن فرض نزع السلاح بالقوة من شأنه أن يخلق سابقة خطيرة تُتيح للدول الكبرى أو القوى الإقليمية استغلال ذريعة
«حصر السلاح بيد الدولة»
لتبرير تدخلات عسكرية أو فرض تغييرات سياسية، ما يتعارض مع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وحتى إذا تذرعت بعض الدول بقرارات دولية أو مبادرات دبلوماسية، فإن تنفيذ هذه القرارات بالقوة دون إجماع داخلي يُفقدها المشروعية القانونية ويحوّلها من إطار
“تعزيز لسيادة الدولة”
إلى أداة لفرض هيمنة سياسية أو إعادة هندسة النظام الداخلي بالقوة المسلحة.
انطلاقًا من ذلك، يصبح
“نزع السلاح تحت الإكراه”
إكراهًا على إعادة تشكيل الدولة وليس فقط تعديل ميزان القوة داخلها. فهو لا يستهدف تغيير وضع أمني فحسب، بل ينتج تداعيات قانونية تمسّ وحدة القرار الوطني، وتفتح الباب أمام صراع شرعيات داخل الدولة نفسها. هذا يعني أن أي محاولة لفرض نزع السلاح قسرًا لا يمكن توصيفها قانونيًا كممارسة مشروعة لتقوية الدولة، بل كإجراء يهدد وجودها القانوني والسياسي، ما يجعل الخطر ليس في السلاح ذاته، بل في الطريقة التي يُنتزع بها.
بهذا المعنى، تتحول المعادلة القانونية إلى سؤال جوهري: هل يهدف نزع السلاح إلى تعزيز سيادة الدولة أم إلى مصادرتها؟ فإذا كان السلاح يُنتزع بقرار داخلي حرّ، فهو تقوية للدولة، أما إذا فُرض تحت التهديد العسكري الخارجي، فهو تجريد للدولة من سلطتها باسم حمايتها.
نزع السلاح أم تفجير المنطقة؟ قراءة في ابتزاز إسرائيل للبنان بغطاء أميركي
تطرح معادلة «نزع السلاح أم تفجير المنطقة؟» سؤالًا يتجاوز الساحة اللبنانية إلى هندسة التوازنات الإقليمية في شرق المتوسط والشرق الأوسط الأوسع. فتهديد وزير الدفاع الإسرائيلي بالعمل العسكري مجددًا في لبنان إذا لم يُنزع سلاح حزب الله ضمن مهلة زمنية محددة، لا يمكن قراءته كتصريح عابر، بل كجزء من استراتيجية ضغط مركّبة توظّف فكرة «نزع السلاح» كأداة ابتزاز استراتيجي، هدفها ليس فقط تعديل قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني، بل إعادة ترسيم حدود الردع والهيمنة في الإقليم تحت غطاء أميركي سياسي وقانوني غير معلن.
في هذا السياق يصبح خطاب نزع السلاح مشروطًا بالقوة، ليس مشروعًا لبناء دولة لبنانية قوية، بل مدخلًا لفرض معادلة أمنية تتيح لإسرائيل إعادة صياغة بيئة التهديد من حولها بأقل كلفة ممكنة، حتى لو كان الثمن دفع لبنان والمنطقة نحو حافة الانفجار.
من منظور استراتيجي، تعمل إسرائيل على استثمار اللحظة الإقليمية المعقدة:
🔷️إنهاك غزة، استنزاف الضفة، ضغط اقتصادي على لبنان، تفكك إقليمي في سوريا والعراق، وتوترات مستمرة في البحر الأحمر والخليج.
في هذه البيئة، تصبح الساحة اللبنانية ملفًا قابلًا للاستخدام كأداة تفاوضية في أكثر من اتجاه:
🔷️باتجاه واشنطن لإظهار أن إسرائيل ما زالت «أصلًا استراتيجيًا» لا يمكن الاستغناء عنه؛ وباتجاه طهران وحلفائها لإيصال رسالة مفادها أن أي تمسّك بالبنية العسكرية لحزب الله سيُواجَه بخيار القوة، وباتجاه الداخل الإسرائيلي لطمأنة الجمهور بأن المؤسسة العسكرية تحافظ على زمام المبادرة.
⭕️هنا يتجاوز الابتزاز طابعه الثنائي بين إسرائيل ولبنان ليصبح جزءًا من لعبة توازنات ثلاثية الأبعاد، تتداخل فيها الحسابات الإسرائيلية والأميركية والإيرانية فوق الساحة اللبنانية نفسها.
يستند هذا الابتزاز إلى معادلة واضحة: 🔷️تحويل وقف إطلاق النار في الجنوب من حالة استقرار هش إلى «مرحلة اختبار» لمدى استجابة لبنان لشروط إعادة تشكيل بيئته الأمنية. فالمهلة الزمنية لنزع سلاح الحزب، كما تُقدَّم في الخطاب الإسرائيلي، ليست إطارًا تفاوضيًا متكافئًا بقدر ما هي أداة ضغط، تهدف إلى خلق شعور دائم بأن الحرب القادمة ليست احتمالًا بعيدًا بل خيار جاهز التنفيذ بمجرد الإعلان عن فشل الخطة. بهذه الطريقة، يُعاد تعريف السكون العسكري الحالي لا كسلام، بل كهدنة مشروطة معلّقة على حبل النزع القسري للسلاح، ما يضع الدولة اللبنانية تحت تهديد مستمر بأن أي تعثّر أو تردد داخلي يمكن أن يقدَّم كذريعة لـ«حرب اضطرارية» تُسوَّق خارجيًا بأنها دفاع استباقي مشروع.
🔷️تمنح المظلة الأميركية هذا المسار قدرًا إضافيًا من الخطورة. فواشنطن، حتى وهي تتحدث عن منع التصعيد وحماية استقرار لبنان، تسمح في الوقت نفسه بإنتاج سردية تجعل من نزع سلاح حزب الله هدفًا استراتيجيًا مشروعًا، وتترك لإسرائيل مساحة واسعة لربط هذا الهدف باستخدام القوة عند الضرورة.
🔷️هذا التوازي بين خطاب «التهدئة» وواقع «التفويض الضمني» هو جوهر الابتزاز؛ إذ يتم تحويل مطلب داخلي لبناني قد يكون موضوعًا لنقاش سياسي سيادي إلى أداة ضغط خارجي، تُستخدم لإخضاع لبنان لمعادلة أمنية مفروضة، مع ترك هامش محدود للغاية أمام أي تفاوض حقيقي يضمن مصالح الدولة اللبنانية ويقيها الانهيار الداخلي.
⭕️على مستوى توازن الردع، تتحرك إسرائيل في منطقة رمادية تحاول فيها الاستفادة من عناصر القوة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. فهي تدرك أن تدمير قدرات حزب الله بالكامل غير واقعي في ضوء حجم ترسانته، وامتداده المجتمعي، وتشابكاته الإقليمية.
⭕️لذلك تركز على استراتيجية «النزع التدريجي» عبر الضربات المتواصلة والاغتيالات النوعية والضغط السياسي، وتضخيم الحديث عن «مهل زمنية» و«التزامات دولية»، بهدف تقليص قدراته وردعه عن بناء منظومات جديدة، أكثر مما تهدف إلى فرض نزع كامل وفوري للسلاح.
لكن هذه الاستراتيجية ذاتها تحمل في طياتها خطر الانزلاق إلى مواجهة واسعة، إذ إن أي خطأ في الحساب، أو رد نوعي من الحزب، قد يحوّل الضغط المتدرج إلى نقطة اشتعال تخرج عن السيطرة، خاصة في ظل تداخل الجبهات من غزة إلى الجولان إلى العراق واليمن.
⭕️لبنان، في قلب هذه المعادلة، يظهر كساحة مهدَّدة أكثر منه كطرف فاعل. فالابتزاز الإسرائيلي لا يستهدف حزب الله وحده، بل يختبر قدرة الدولة اللبنانية على الصمود أمام ضغط مزدوج:
⭕️ضغط خارجي يلوّح بالحرب، وضغط داخلي من قوى تخشى أن يتحول السلاح إلى سبب دائم لجرّ البلاد إلى مواجهات مدمرة.
🔷️خطر «تفجير المنطقة» هنا يبدأ من تفجير الداخل اللبناني نفسه؛ إذ إن محاولة نزع السلاح بالقوة يمكن أن تعيد فتح الجروح الأهلية القديمة، وتغذي انقسامات سياسية وطائفية حول معنى السيادة ومَن يملك قرار الحرب والسلم.
ومع غياب مشروع وطني جامع وقدرة اقتصادية على تحمّل صدمات جديدة، تصبح أي حرب واسعة ليس فقط مواجهة حدودية، بل تهديدًا وجوديًا لبنية الدولة والمجتمع.
🔷️على المستوى الإقليمي، يؤدي هذا الابتزاز إلى تعميق حالة اللااستقرار البنيوي. فالتلويح بحرب جديدة على لبنان يُرسل رسائل مباشرة إلى طهران ودمشق وغزة والعراق واليمن بأن مسرح العمليات يمكن أن يتوسع في أي لحظة، وأن أي تعديل في ميزان القوى على الحدود اللبنانية قد يفتح الباب أمام إعادة توزيع الأدوار في محور كامل يمتد من طهران إلى المتوسط.
⭕️في المقابل، تحاول عواصم عربية مثل القاهرة ودوائر دبلوماسية أخرى التحرك لمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لأن انفجار الجبهة اللبنانية في هذا التوقيت قد يطيح بما تبقى من هوامش التوازن في المنطقة، ويجرّ تحالفات قائمة إلى اختبارات قسرية، بين الاصطفاف الكامل أو الانكفاء العاجز.
✍️في ضوء هذه المعطيات، يصبح السؤال الجوهري ليس إن كانت إسرائيل ستشن حربًا أم لا، بل كيف توظف إسرائيل تهديد الحرب كأداة لإعادة صياغة الواقع اللبناني والإقليمي، وما إذا كانت واشنطن بصدد إدارة هذا الابتزاز أو احتوائه.
⭕️فإما أن يتحول خطاب نزع السلاح إلى مدخل لحوار إقليمي ودولي أوسع يضمن استقرار لبنان ويعيد تعريف دور السلاح ضمن صيغة سياسية داخلية متوافق عليها، وإما أن يُترك الملف ضمن منطق الإكراه العسكري، بما يجعل أي فشل في تحقيق «الأهداف» المعلنة ذريعة لتفجير جبهة جديدة في منطقة تقف أصلًا على حافة الانهيار الاستراتيجي.
🔷️في هذه الحالة، يكون نزع السلاح قد خرج من كونه ملفًا لبنانيًا سياديًا إلى كونه أداة ضغط فوق وطنية، تُستخدم لإعادة رسم خرائط القوة، ولو على أنقاض دولة وشعب
معركة لبنان الحقيقية: من يملك القرار؟
في ميزان الاستراتيجيات، لا تبدو إسرائيل بصدد شنّ حرب فورية بقدر ما تعمل على إعادة صياغة شروط اندلاعها. إنّها لا تتهيأ لمواجهة بقدر ما تهيئ البيئة التي تجعل الحرب مخرجًا «مبرّرًا» عندما تُطلق صافرة الانقضاض. فبين هدنة معلّقة على مهلة زمنية، وضغوط دولية تتلحف بعباءة «منع التصعيد»، تتشكل معادلة جديدة لا تُدار فيها العلاقات بين لبنان وإسرائيل بمنطق التفاوض، بل بمنطق الإكراه المؤجل الذي يُحوّل وقف النار إلى انتظار معركة، ويحوّل أي «فشل» في نزع السلاح إلى ذريعة جاهزة لا تحتاج سوى قرارٍ لحظي كي تتحول إلى مواجهة.
لبنان، في قلب هذا الاشتباك، ليس مدعوًا فقط للدفاع عن جغرافيا مهدّدة، بل عن شرعية الدولة نفسها. فالحرب، إن وقعت، لن تكون معركة حدود بقدر ما ستكون معركة على تعريف من يملك قرار الدولة ومن يحميها ومن يفرض عليها شروط البقاء. وما بين سلاح «يحميها» وسلاح «يعقّدها»، تتسع الفجوة التي تحاول إسرائيل استغلالها لتقديم نفسها وسيطًا بالقوة، يمنح «الاستقرار» مقابل تفكيك قدرة داخلية، وكأنها تعرض أمنًا مستوردًا بثمنٍ سيادي مدفوع مسبقًا.
إنّ الخطر الأكبر ليس في الصواريخ التي قد تُطلق، بل في المفاهيم التي يراد فرضها قبل إطلاقها: دولة تُحيد بالقوة، وشرعية تُعاد صياغتها تحت التهديد، وسيادة تُختصر في اتفاقيات قد تتحول إلى وثائق إذعان إذا ما فُرضت تحت ضغط السلاح. عندها، تصبح الحرب ـ إن وقعت ـ ليست هجومًا عسكريًا فقط، بل عملية سياسية كبرى لإعادة رسم لبنان وفق خرائط لا يشارك أبناءه في صياغتها.
في هذه اللحظة الحرجة، ليس السؤال: هل ستشتعل الحرب؟ بل: هل يترك لبنان لغيره حق تحديد شكل السلم المقبل؟
فالحروب تُؤجل، لكن نتائجها تُصنع قبل اندلاعها. ومن يفاوض على شروط السلم اليوم، هو ذاته الذي يحدد شكل الحرب غدًا، ومن لا يملك موقعًا على طاولة التسويات، قد يجد نفسه على هامش خرائط تُرسم فوق أرضه.
إنَّ مستقبل لبنان لن يُقرر على الحدود وحدها، بل في قدرة الدولة على أن تكون صاحبة القرار في زمن الإكراه، لا مجرد ساحة تنتظر التوقيع على شروط معركة لم تبدأ بعد.
- 🔹 نزع السلاح تحوّل من ملف أمني تقني إلى مشروع لإعادة تشكيل الدولة اللبنانية من جذورها.
- 🔹 إسرائيل تستخدم التهديد بالحرب كأداة ابتزاز، لا كمرحلة جاهزة للحرب الشاملة، بهدف فرض شروط سياسية.
- 🔹 الضغط الخارجي عبر القوة يصطدم بالقانون الدولي ويصنّف ضمن
》Prohibited Coercion《. - 🔹 نزع السلاح بالقوة يفتح الباب أمام صراع شرعيات داخلي قد يهدد بنية الدولة ووحدتها.
- 🔹 لبنان يبدو كساحة اختبار لطهران وواشنطن وتل أبيب، لا كطرف يملك قراره السياسي المستقل.
- 🔹 الحرب الشاملة ليست الخيار الإسرائيلي الأول، بل “التصعيد المراقَب” لإعادة صياغة موازين الردع.
- 🔹 أي ضربة محدودة قد تتحول إلى حرب واسعة بسبب الترابط الإقليمي لمحور المقاومة.
- 🔹 الدولة اللبنانية محاصرة بين ضغط خارجي مسلّح وضغط داخلي منقسم سياسيًا.
- 🔹 السلاح خارج الدولة يُنظر إليه كضمانة سيادية للبعض وكمصدر تهديد وجودي للبعض الآخر، ما يعمّق الانقسام الوطني.
- 🔹 الخطر الحقيقي ليس في الحرب بحدّ ذاتها، بل في “شروط السلم” التي قد تُفرض بالقوة وتعيد رسم لبنان دون إرادة أبنائه.




