مقالات

المبادرة الأميركية وغزة: تهدئة بلا عدالة

بعيدًا عن موجة التهليل الإعلامي التي رافقت الإعلان عن المبادرة الأميركية الخاصة بوقف الحرب في غزة، تبدو الحقيقة أكثر تعقيدًا مما يُروَّج لها.

المبادرة الأميركية وغزة: تهدئة بلا عدالة

✍️📰كتب العقيد المتقاعد محسن الشوبكي –خبير استراتيجي وأمني

بعيدًا عن موجة التهليل الإعلامي التي رافقت الإعلان عن المبادرة الأميركية الخاصة بوقف الحرب في غزة، تبدو الحقيقة أكثر تعقيدًا مما يُروَّج لها. فالمبادرة التي قُدمت باعتبارها اختراقًا سياسيًا وإنسانيًا لم تشر في أي من بنودها إلى مساءلة الكيان الصهيوني على الجرائم التي ارتكبها، ولم تتضمن أي إشارة إلى مسؤولية قانونية أو مالية يتحملها عن الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع. كل ما جاء فيها يقتصر على ترتيبات إنسانية مؤقتة تتعلق بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وفتح المعابر، بينما تم تجاهل جوهر القضية المتمثل في العدالة والمحاسبة والتعويض والأهم الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

إن إغفال مسألة المساءلة ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو جوهر التوجه الأميركي والغربي في التعامل مع الملف الفلسطيني، حيث يتم السعي لطيّ صفحة الحرب دون فتح ملف الجرائم المرتكبة. فكيف يمكن الحديث عن سلام أو تسوية في ظل غياب العدالة؟ وكيف يمكن بناء مستقبل آمن فيما تُترك الجرائم دون حساب؟ إن عشرات الآلاف من الضحايا في غزة لا يمكن أن يصبحوا أرقامًا في تقارير المساعدات، ولا يمكن أن تُختزل مأساتهم في بنود سياسية غامضة.

من الناحية القانونية، فإن المبادرة لا تُلغي الدعاوى الجارية أمام المحاكم الدولية. القضية التي تقدمت بها جنوب أفريقيا ضد الكيان الصهيوني أمام محكمة العدل الدولية ما زالت قائمة، والمحكمة لم تُصدر حكمًا نهائيًا بعد. الاتهامات بالإبادة الجماعية لا تسقط بوقف إطلاق النار، بل تتعزز مع مرور الوقت إذا لم تُحاسب الجهات المسؤولة. كما أن المحكمة الجنائية الدولية كانت قد أصدرت مذكرات توقيف بحق عدد من قادة الكيان الصهيوني على خلفية جرائم حرب موثقة في غزة، وهي خطوة تاريخية غير مسبوقة تعكس حجم الانتهاكات المرتكبة. صحيح أن تنفيذ هذه المذكرات يعتمد على تعاون الدول الأعضاء، لكن مجرد صدورها يضع الكيان أمام أزمة قانونية وأخلاقية مستمرة.

تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بدوره أكد وجود أدلة دامغة على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في القطاع. ومع ذلك، فإن المبادرة الأميركية لم تشر إلى هذا التقرير ولم تضع أي آلية لمتابعة نتائجه أو إحالة الملف إلى مجلس الأمن. وكأن المجتمع الدولي قرر أن يتعامل مع الكارثة باعتبارها حدثًا طارئًا يمكن تجاوزه بالمال والمساعدات، لا جريمة كبرى تستوجب المحاسبة والعقاب.

هذا الصمت الممنهج يعكس ازدواجية فاضحة في تطبيق القانون الدولي. ففي حالات أخرى، فُرضت عقوبات شديدة على دول ارتكبت مخالفات أقل بكثير. العراق دُفع لعقود لتعويضات ضخمة بعد غزوه للكويت، وروسيا واجهت حزمة عقوبات اقتصادية وتجارية غير مسبوقة بعد حرب أوكرانيا، والسودان عوقب دوليًا بعد صدور مذكرة توقيف بحق رئيسه السابق. أما في حالة الكيان الصهيوني، فإن الإفلات من العقاب أصبح هو القاعدة، بل يُكافأ على جرائمه بغطاء دبلوماسي وتهدئة تحفظ له شرعيته.

ويبقى السؤال الأخطر: من سيدفع ثمن إعادة إعمار غزة؟ فمنذ عام 2008، تكفلت الدول العربية والأوروبية بتمويل الإعمار بعد كل حرب، بينما لم يتحمل الكيان الصهيوني أي التزام مالي رغم أنه الجهة التي دمرت المنازل والبنى التحتية والمستشفيات والمدارس. المبادرة الجديدة لم تغيّر شيئًا من هذا الواقع، بل أعادت إنتاجه. إذ تُطرح الآن مشاريع إعمار دون أي حديث عن المسؤولية القانونية أو التعويض. فهل يعقل أن يُترك الضحية ليموّل إعادة بناء ما دمّره المعتدي؟

إن خطورة هذه المقاربة تكمن في أنها تؤسس لسلام هش مبني على الصمت والإنكار، لا على العدالة والاعتراف. فالمجتمع الذي لا يرى محاكمة لقاتليه لن يثق بأي تسوية، والعالم الذي يتغاضى عن جرائم موثقة ضد المدنيين يفقد ما تبقّى من مصداقية شعاراته حول حقوق الإنسان. لذلك فإن أي تهدئة لا ترتبط بمحاسبة ومعالجة قانونية شاملة، ستبقى مجرد استراحة مؤقتة قبل جولة جديدة من الدم والدمار.

الواجب اليوم ليس فقط وقف الحرب، بل محاكمة من أشعلها. المطلوب هو تفعيل المسارات القانونية في المحكمتين الدولية والجنائية، والضغط السياسي لضمان عدم تجميدها تحت ذريعة “الحفاظ على الاستقرار”. كما ينبغي ربط أي تمويل لإعادة الإعمار بشروط شفافة تضمن ألا تُستخدم المساعدات كورقة ضغط أو وسيلة تطبيع جديدة مع الكيان المحتل. فالإعمار بلا عدالة هو تثبيت للظلم، والتهدئة بلا مساءلة هي وصفة مؤكدة لتكرار المأساة.

في النهاية، قد تنجح المبادرة الأميركية في إخماد نار الحرب مؤقتًا، لكنها لن تطفئ جذوة الغضب ما دامت العدالة غائبة. فسلام بلا عدالة ليس سلامًا، بل تأجيل مؤقت لانفجارٍ قادم، لأن الشعوب قد تُهزَم عسكريًا، لكنها لا تنسى من قتل أبناءها ودمّر أرضها. والكيان الصهيوني، مهما حظي من حماية سياسية، سيبقى متهمًا أمام ضمير العالم وأمام التاريخ حتى تتحقق العدالة.

📰✍️ الكاتب

 العقيد المتقاعد محسن الشوبكي

 

محسن الشوبكي

رابط تعريف الكاتب على غوغل: اضغط هنا

📌 أبرز نقاط المقال:

📌 المبادرة الأميركية ركزت على الترتيبات الإنسانية المؤقتة فقط، دون مساءلة الكيان الصهيوني عن الجرائم المرتكبة.

📌 القضايا القانونية الدولية القائمة لم تُلغَ؛ جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، ومذكرات توقيف المحكمة الجنائية الدولية لعدد من قادة الكيان الصهيوني بسبب جرائم حرب موثقة.

📌 تقرير لجنة الأمم المتحدة أكد وجود أدلة دامغة على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكن المبادرة الأميركية تجاهلته تمامًا.

📌 الصمت الدولي يعكس ازدواجية في تطبيق القانون الدولي: دول أخرى عوقبت على مخالفات أقل بكثير، بينما الكيان الصهيوني يُترك دون مساءلة.

📌 إعادة إعمار غزة تتم دون ربطها بمسؤولية الكيان الصهيوني القانونية أو المالية، وهو ما يكرس الظلم للضحية.

📌 أي تهدئة بلا عدالة ستؤدي إلى استمرار دورة العنف والدمار في المستقبل.

📌 ضرورة تفعيل المسارات القانونية الدولية ومتابعة القضايا أمام المحاكم الدولية والجنائية وعدم تجميدها تحت أي ذريعة.

📌 ربط أي تمويل لإعادة الإعمار بشروط شفافة لضمان عدم استخدام المساعدات كورقة ضغط أو وسيلة تطبيع جديدة.

📌 سلام بلا عدالة ليس سلامًا حقيقيًا، بل تأجيل لانفجار محتمل مستقبلي، لأن الشعوب لا تنسى من ارتكب الجرائم ضدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »