خطة نزع سلاح حزب الله: لبنان على مفترق الصراع الداخلي والخارجي
لبنان يواجه أخطر أزمة سياسية له خلال السنوات الأخيرة. فقد أقرّت الحكومة خطة لنزع سلاح الجماعة الشيعية «حزب الله»، ما أدى إلى مواجهة حادة داخل الائتلاف الحاكم. وأصبح خطر اندلاع حرب أهلية أكثر واقعية، فيما وجدت الجيش اللبناني نفسه في قلب هذا الصراع، دون امتلاك الموارد الكافية لتنفيذ المهمة الموكلة إليه. وقد خصص مؤخرًا مؤتمرًا افتراضيًا نظمته المبادرة الدولية للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ DIIPETES في 11 أكتوبر 2025 لمناقشة هذه الأزمة، بمشاركة خبراء ومحللين عرب مرموقين.

خطة نزع سلاح حزب الله:لبنان على مفترق الصراع الداخلي والخارجي
📌✍️📢 دينيس كوركودينوف – المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ DIIPETES
الأزمة السياسية الأكثر حدة منذ سنوات
لبنان يواجه أخطر أزمة سياسية له خلال السنوات الأخيرة. فقد أقرّت الحكومة خطة لنزع سلاح الجماعة الشيعية «حزب الله»، ما أدى إلى مواجهة حادة داخل الائتلاف الحاكم. وأصبح خطر اندلاع حرب أهلية أكثر واقعية، فيما وجدت الجيش اللبناني نفسه في قلب هذا الصراع، دون امتلاك الموارد الكافية لتنفيذ المهمة الموكلة إليه. وقد خصص مؤخرًا مؤتمرًا افتراضيًا نظمته المبادرة الدولية للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ DIIPETES في 11 أكتوبر 2025 لمناقشة هذه الأزمة، بمشاركة خبراء ومحللين عرب مرموقين.
تزامن انعقاد المؤتمر مع تاريخ إقرار الحكومة رسميًا «خطة نزع سلاح حزب الله»، والتي اعتمدت على مقترحات المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك. تجدر الإشارة إلى أن الوثيقة تؤكد حق الدولة الحصري في تقرير مسائل الحرب والسلام، وتقترح التخلص التدريجي من جميع التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة. ومع ذلك، لا تزال مواعيد تنفيذ الخطة غير محددة، وقد هدد الوزراء المنتمون إلى «حزب الله» بمغادرة الحكومة في حال تم تنفيذ المبادرة.
الواقع اللبناني قبل الحديث عن السلاح
كما أشار المحلل السياسي اللبناني محمد هزيمة، قبل الحديث عن سلاح المقاومة يجب فهم الواقع اللبناني كما هو: بلد صغير الحجم بموقع استراتيجي حساس في قلب الشرق الأوسط، محاط بتوترات وصراعات، وأبرزها الاحتلال الإسرائيلي. تاريخ لبنان مليء بسلسلة من الاعتداءات والحروب الإسرائيلية منذ عام 1948، شملت احتلال أراضٍ، ومجازر مثل صبرا وشاتيلا، وانتهاكات مستمرة للسيادة الوطنية.
رغم هذه التحديات، تمكنت المقاومة اللبنانية من تحقيق توازن مع إسرائيل واستعادة جزء كبير من الأراضي المحتلة، ما جعل لبنان أقوى بمقاومته، قادرًا على حماية سيادته والرد على أي عدوان. ويشير محمد هزيمة إلى أن الجمهورية الثانية، عبر اتفاق الطائف، سعت إلى دمج الميليشيات ضمن الدولة، مع الحفاظ على حق المقاومة كعامل استقرار ووسيلة ردع، ما جعلها شريكًا أساسيًا في حماية الوطن.
ويؤكد محمد هزيمة أن المقاومة، جنبًا إلى جنب مع الجيش والشعب، حولت لبنان من دولة ضعيفة أمام الاحتلال إلى قوة إقليمية قادرة على مواجهة التحديات، رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية ومحاولات فرض سياسات تخدم مشاريع الشرق الأوسط الكبرى. ومن هذا المنطلق، يظل السلاح ضرورة استراتيجية للدفاع عن لبنان وسيادته، بعيدًا عن أي ابتزاز أو مصالح خارجية، ويشكل ضمانة للحفاظ على الهوية الوطنية واستقلال القرار.
مراحل خطة نزع السلاح
وفقًا ،لما أشار إليه محلل سياسي السوري، فإن خطة نزع السلاح، التي ناقشها مجلس الوزراء اللبناني منذ أوائل أغسطس، تنقسم مبدئيًا إلى أربعة مراحل:
- المرحلة الأولى: إصدار مرسوم خلال خمسة عشر يومًا يلزم «حزب الله» بنزع السلاح بالكامل بحلول 31 ديسمبر 2025، مع توقف إسرائيل عن جميع العمليات العسكرية ضد لبنان.
- المرحلة الثانية: مدة 60 يومًا، تشمل البدء الفعلي بنزع سلاح الجماعة ونشر الجيش اللبناني في المناطق الحدودية والداخلية الرئيسة، في الوقت الذي يبدأ فيه انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان.
- المرحلة الثالثة: مدة 90 يومًا، تشمل الانسحاب النهائي للقوات الإسرائيلية وبدء إعادة تأهيل البنية التحتية الاجتماعية.
- المرحلة الرابعة: مدة 120 يومًا، التخلص من الأسلحة الثقيلة لـ«حزب الله»، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة، مع عقد مؤتمر دولي لدعم الاقتصاد اللبناني بمشاركة الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا وقطر ودول أخرى.
وأشار أيضا إلى الدور المحوري للإدارة الأمريكية في هذا الإطار. ففي زيارته إلى بيروت في 18 أغسطس 2025، صرح المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك أن واشنطن تتوقع أن يقوم الإسرائيليون بتقديم بعض التنازلات للبنان بعد موافقة الحكومة المركزية على نزع سلاح الجماعة الشيعية. وأكد أن العملية لا تستهدف الطائفة الشيعية في لبنان، وأن حزب الله ليس مجبرًا على شيء، لكنه قد يفقد فرصته السياسية.
الموقف الرسمي للمقاومة
رد حزب الله على هذه الخطط كان شديد اللهجة. فقد حذر الأمين العام للحزب نعيــم قاسم بأن «لبنان لن يكون له حياة» إذا تم محاولة نزع سلاح الجماعة بالقوة. ووصف رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام تصريحات نعيــم قاسم بأنها تلميحات واضحة لحرب أهلية محتملة.
الجيش اللبناني في مواجهة التحديات
يشير المحلل السياسي المغربي أيوب نصر إلى أن الجيش اللبناني وجد نفسه في قلب صراع داخلي وخارجي معقد. فقد قدم قائد الجيش تقريرًا عن خطة السيطرة على السلاح، لكن الإنجازات على الورق أكثر رمزية من كونها واقعية، بينما تواصل إسرائيل ضرب أهدافها في لبنان. ويشير نصر إلى أن الجيش بحاجة إلى دعم دولي للقيام بدوره في نزع سلاح الجماعات المحلية.
ويؤكد أيوب نصر أن امتناع حزب الله عن تسليم سلاحه حق مبرر لسببين: استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وعدم وجود دولة قوية في لبنان يمكن أن تتسلم منها السلاح. لذلك يجب أولًا على السياسيين والجيش تأسيس الدولة ومنح الحزب غطاءً سياسيًا لمواجهة الاحتلال، ثم بعد ذلك الاستفادة من خبراته الحربية لبناء جيش لبناني قوي.
ويضيف أيوب نصر أن القضية لم تعد محصورة في لبنان، بل تحتاج إلى تدخل الدول العربية لمنح غطاء سياسي مماثل لما حصل مع حركة حماس. ويرى أن دعوة نعيــم القاسم للتقارب مع السعودية فرصة مهمة لدرء الخلافات ودعم إنشاء دولة لبنانية قوية، ومن ثم توظيف خبرة الحزب العسكرية رسميًا في حماية سيادة البلاد وبناء جيش ووطني قوي.
التوترات المستمرة في الجنوب
وفقًا لأيوب نصر، الجيش اللبناني يحاول تقييد حركة سلاح حزب الله ومنع أي عمليات قد تعيد للجماعة قوتها العسكرية. وتأتي هذه الجهود وسط أجواء توتر شديدة، بعد أن شنت الطائرات الإسرائيلية غارات على معسكرات تدريبية للوحدة الخاصة لحزب الله «رضوان» في وادي البقاع.
في الوقت نفسه، يكشف الصراع السياسي الداخلي عن انقسام عميق بين حزب الله ورئيس الحكومة نواف سلام، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني في لبنان.
الدور الدولي والاقتصادي
وأشار أيوب نصر إلى أن القوات اللبنانية بحاجة إلى دعم دولي كبير لتأدية مهمتها في نزع سلاح الجماعات المحلية. كما شدد على ضرورة أن تبدأ الدول العربية عملية منح لبنان غطاء سياسي مماثل لما حصل مع حركة حماس، لضمان استقرار الدولة اللبنانية ومواجهة التحديات الإقليمية.
ومن جانبه، أشار عبد الله أحمد إلى أن إيران سعت خلال زيارة علي لاريجاني إلى بيروت إلى إقناع الحكومة اللبنانية بعدم التعجل في نزع سلاح الجماعات الموالية لها، مما يعكس التعقيد الإقليمي المرتبط بالموضوع.
الأبعاد الاجتماعية للمقاومة
وبحسب الخبراء في التحليل السياسي، أحد العوامل التي تمنح حزب الله شرعية ودعم شعبي هو دوره الاجتماعي في لبنان. فالحزب يوفر خدمات للمجتمعات الفقيرة والريفية، من خلال مؤسسات مثل جهاد البناء و منظمة الإمام المهدي الصحية، التي تقدم التعليم والرعاية الصحية، وتلبي احتياجات أساسية يحجم عن تلبيتها الدولة.
هذا الدعم الاجتماعي ساهم في تحقيق نتائج قوية لحزب الله وحركة أمل في الانتخابات البلدية، حيث استحوذا على معظم المقاعد في 189 من أصل 352 بلدية في الجنوب والبقاع والشمال، فضلاً عن مقاعد كبيرة في مناطق أخرى.
الجيش والمواقف الدينية والطائفية
يشير المحلل السياسي السوري إلى أن الجيش اللبناني قد يكون مترددًا في مواجهة حزب الله مباشرة، لأن نسبة كبيرة من الجنود من الطائفة الشيعية، التي تدعم الجماعة. ومع ذلك، إذا تدخلت إسرائيل بقوة في الجنوب، فإن الجيش لن يبقى متفرجًا، ما يضيف بعدًا آخر للتعقيد العسكري والسياسي في البلاد.
احتمالات التصعيد العسكري
ويحذر أيوب نصر من أن إسرائيل وحزب الله يقتربان من منطقة الخطر: أي خطأ أو سوء تقدير قد يؤدي إلى صراع واسع يتجاوز السيطرة، وقد يغير خريطة الصراع في المنطقة بأسرها. وقد تكون الحرب المقبلة أكثر دموية من النزاعات السابقة، مع إطلاق حزب الله وصواريخه آلاف الصواريخ يوميًا، وربما توجيه هجمات مباشرة على الأراضي الإسرائيلية.
الاستعدادات الإسرائيلية
تزامنًا مع انتهاء النزاع في غزة، قامت إسرائيل بتعزيز قواتها الاحتياطية من 300 ألف إلى 350 ألف جندي، ما يزيد من احتمالات حرب شاملة في شمال لبنان. وهذا يعكس استعداد الحكومة الإسرائيلية لخوض صراع كبير مع حزب الله، في حال فشل المسار السياسي والدبلوماسي.
مستقبل خطة نزع السلاح
خلص المشاركون في مؤتمر DIIPETES إلى أن نجاح خطة نزع سلاح حزب الله يعتمد على عدة عوامل:
- قدرة الحكومة اللبنانية على تقديم خدمات بديلة للمجتمع الشيعي.
- جاهزية المجتمع الدولي لتقديم دعم اقتصادي فعّال.
- استعداد إسرائيل لتقديم بعض التنازلات بشأن المناطق الجنوبية.
- قدرة حزب الله على التحول من جماعة مسلحة إلى قوة سياسية معترف بها رسميًا.
في حال فشل أي من هذه العوامل، فإن لبنان قد يشهد موجة جديدة من العنف، ستكون عواقبها كارثية على البلاد والمنطقة بأسرها. وبالتالي، فإن مصير خطة نزع السلاح سيكون حاسمًا في تحديد مستقبل لبنان لعقود قادمة.



