خاص pravdatv
أخر الأخبار

كتب دينيس كوركودينوف:«الدولة التي أُطفئت عن بُعد: فنزويلا كأول ساحة لتغيير النظام عبر السيطرة الرقمية الشاملة»

خلف العناوين الصاخبة عن قوات خاصة أمريكية في كاراكاس وضربات جوية على العاصمة الفنزويلية في 3 كانون الثاني/يناير 2026، تختبئ حقيقة أعمق: لقد شهد العالم أول «تغيير رقمي للنظام» في التاريخ. فالاستخبارات السيبرانية الواسعة، والهجمات الإلكترونية المتزامنة، والسيطرة الشاملة على الفضاء المعلوماتي، جعلت ممكنًا ما كان يُعدّ حتى سنوات قليلة مضت ضربًا من الخيال العلمي.

«الدولة التي أُطفئت عن بُعد: فنزويلا كأول ساحة لتغيير النظام عبر السيطرة الرقمية الشاملة»

الكاتب: دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤات DIIPETES
التاريخ: 4 كانون الثاني/يناير 2026

خلف العناوين الصاخبة عن قوات خاصة أمريكية في كاراكاس وضربات جوية على العاصمة الفنزويلية في 3 كانون الثاني/يناير 2026، تختبئ حقيقة أعمق: لقد شهد العالم أول «تغيير رقمي للنظام» في التاريخ.
فالاستخبارات السيبرانية الواسعة، والهجمات الإلكترونية المتزامنة، والسيطرة الشاملة على الفضاء المعلوماتي، جعلت ممكنًا ما كان يُعدّ حتى سنوات قليلة مضت ضربًا من الخيال العلمي.

وكما صرّح رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، فإن التحضير للعملية استغرق عدة أشهر، وشمل ما يُعرف في الأوساط العسكرية بـ«بناء نمط حياة الهدف».
فمنذ آب/أغسطس 2025، عملت في فنزويلا مجموعة خاصة لم تقتصر مهمتها على التجسس التقليدي.
فقد تابعت رقميًا كل خطوة لنيكولاس مادورو: تحركاته داخل قصر ميرافلوريس، جدول يومه، عاداته، مساراته، وبروتوكولات حمايته.
درس عناصر الاستخبارات «كيف كان يتحرك، أين يعيش، إلى أين يسافر، ماذا يأكل، وماذا يرتدي». هذا المستوى من العمق في البيانات يفترض الوصول ليس فقط إلى أنظمة المراقبة الخارجية، بل أيضًا إلى الشبكات الداخلية عبر استخدام برمجيات خبيثة موجّهة للوصول إلى الجداول الشخصية، وأنظمة الاتصالات، وأجهزة الأمن.
ففي أثناء الولاية الأولى لترامب، نفّذت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) عملية ناجحة لتعطيل شبكة الحواسيب التابعة لجهاز الاستخبارات الفنزويلي، وهو ما يُرجّح أنه وضع الأساس لاختراقات لاحقة. وكانت هذه المرحلة من «الاستطلاع الرقمي» حاسمة بالكامل.
فمن دونها، كان على القوات الخاصة أن تدخل عمياء إلى متاهة من القصور المحصّنة والمخابئ. أما بفضلها، فقد امتلكت القيادة خريطة رقمية شبه كاملة مكّنتها من التنبؤ بمكان وجود الرئيس في الليلة الحاسمة، وأفضل السبل للوصول إليه.

بلغ مستوى التخطيط درجة من الدقة جعلت العملية، بحسب الجنرال كين، تُؤجَّل أربعة أيام بسبب سوء الأحوال الجوية، ما يدل على السعي إلى تنفيذٍ متقن لا إلى استعجال. وبعبارة أخرى، لولا الطقس، لكان اعتقال نيكولاس مادورو قد تم في 31 كانون الأول/ديسمبر 2025.

العنصر الحاسم الذي أتاح تنفيذ الاعتقال جسديًا تمثّل في شلّ منظومات الدفاع الجوي الفنزويلية وشبكات القيادة في الزمن الحقيقي. ووفقًا لبيانات قيادة الحرب السيبرانية الأمريكية (USCYBERCOM)، نُفِّذت في الدقائق الأولى من العملية هجمة إلكترونية منسّقة على عقد الاتصال الرئيسية وأنظمة إدارة الدفاع الجوي.
وكان الهدف إنشاء «ممر رقمي» لمروحيات الفوج 160 للطيران الخاص، التي حلّقت نحو كاراكاس على ارتفاع لا يتجاوز 100 قدم فوق الماء.
ولاحقًا، أظهرت صور الأقمار الصناعية ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي تدمير مواقع لمنظومات الصواريخ الروسية المضادة للطائرات من طراز «بوك-إم2إي». ورغم احتمال استهدافها بصواريخ تقليدية مضادة للرادار، فإن الاحتمال الأكبر أن راداراتها أُصيبت بالعمى أو التشويش في البداية بوسائل سيبرانية.

وبالتوازي، وثّقت منظمة NetBlocks انقطاعًا مفاجئًا وواسع النطاق للإنترنت في العاصمة الفنزويلية، تزامن مع بدء الغارة.
وقد لمح ترامب نفسه إلى ذلك حين قال إن الولايات المتحدة قطعت الكهرباء في كاراكاس «بفضل خبرة معيّنة نملكها». ولم يكن هذا أثرًا جانبيًا، بل عنصرًا مخطّطًا له: عزل الهدف وشلّ رد فعل قوات الأمن.

وإذا كانت الهجمات السيبرانية قد مهّدت الطريق الفيزيائي، فإن السيطرة على السردية كانت حاسمة لتثبيت النجاح. وهنا برز فاعل خاص، لكنه وثيق الصلة بإدارة الولايات المتحدة: منظومة الإنترنت الفضائي Starlink.

فور تأكيد اعتقال مادورو تقريبًا، أعلنت شركة إيلون ماسك تفعيل إنترنت فضائي مجاني في كامل أراضي فنزويلا حتى 3 شباط/فبراير 2026 على الأقل.

هذه الخطوة، التي قُدّمت بوصفها مساعدة إنسانية، حملت دلالات استراتيجية عميقة. فشبكات الاتصالات الحكومية الفنزويلية، التي استخدمها نظام مادورو للرقابة (بما في ذلك حجب Facebook وYouTube وInstagram في السابق)، جرى تفريغها من قيمتها فورًا.

لقد أنشأ Starlink قناة اتصال بديلة، غير خاضعة لسيطرة بقايا الحكومة، تصل مباشرة إلى المواطنين.

ومن خلالها أمكن بثّ بيانات السلطة الجديدة، وعرض مشاهد اعتقال مادورو، وصياغة الرأي العام مباشرة متجاوزين أي مرشحات دعائية للنظام القديم. وكان هذا هو الفعل الختامي للتغيير الرقمي للنظام: استبدال البنية التحتية المعلوماتية للسلطة.

ويبقى السؤال مفتوحًا حول متانة النظام الجديد داخليًا. فالقبض على زعيم بفضل التفوق الرقمي شيء، وإدارة بلد معقّد ومنقسم ذو جذور تشافيزية عميقة، وقدرات مقاومة غير نظامية، واقتصاد مدمّر، شيء آخر تمامًا.
وحتى لو كان مادورو يحظى بدعم نحو 20% فقط من السكان، فإن هؤلاء يشكّلون نواة لا يمكن تجاهلها.

وهل سيعتمد واشنطن على نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، التي وصفها ترامب بأنها «مختارة مادورو»، أم سيسعى لفرض شخصية أخرى، فهذا ما لا يزال غير واضح.

في الأثناء، بات المجتمع الدولي، بعد أحداث 3 كانون الثاني/يناير 2026، مضطرًا للحاق بالركب ليس في الفضاء الفيزيائي فحسب، بل في الفضاء الرقمي بالمعنى الحرفي للكلمة، مدركًا أن «العزم المطلق» التالي قد يُوجَّه إلى دول أخرى.

الكاتب: دينيس كوركودينوف

المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤات DIIPETES

أبرز نقاط المقال:

  • 📌 خلف العناوين الصاخبة عن قوات خاصة أمريكية في كاراكاس، شهد العالم أول «تغيير رقمي للنظام» في التاريخ.
  • 📌 إعداد العملية استغرق عدة أشهر وشمل بناء نمط حياة الهدف لمادورو منذ أغسطس 2025، بما في ذلك كل تحركاته وعاداته وبروتوكولات حمايته.
  • 📌 المرحلة الأولى من الاستطلاع الرقمي كانت حاسمة للوصول الآمن للقوات الخاصة داخل قصر ميرافلوريس والمخابئ.
  • 📌 العملية أُجِّلت أربعة أيام بسبب سوء الأحوال الجوية، مما يدل على حرص على التنفيذ الدقيق وليس العجلة.
  • 📌 تم شلّ منظومات الدفاع الجوي وشبكات القيادة في الزمن الحقيقي باستخدام هجمات إلكترونية منسقة، ما أتاح ممرًا آمنًا لمروحيات الفوج 160.
  • 📌 انقطاع الإنترنت والكهرباء في كاراكاس كان مخططًا له لعزل الهدف وشل رد فعل قوات الأمن.
  • 📌 بعد اعتقال مادورو، تم تفعيل إنترنت فضائي مجاني عبر Starlink لبث بيانات السلطة الجديدة مباشرة إلى المواطنين، متجاوزًا الرقابة الحكومية.
  • 📌 العملية الرقمية سمحت للمعارضة بتنظيم تحركاتها، بينما أصيب الموالون بالارتباك.
  • 📌 الهجمات الرقمية والسيطرة على المعلومات شكلت النهج الكامل للتغيير الرقمي للنظام، وهو ما لم يكن موجودًا في محاولات ترامب السابقة.
  • 📌 البنية التحتية الرقمية الضعيفة لفنزويلا سمحت بتخطيط ضربة دقيقة لـ«الجهاز العصبي الرقمي» للدولة، ثم الاستيلاء على «جسدها» المشلول.
  • 📌 العملية تلبي أيضًا هدفًا مواردياً، حيث تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكّد في العالم (~303 مليارات برميل) ونفطها الثقيل بالغ الأهمية للمصافي الأمريكية.
  • 📌 السؤال ما يزال مفتوحًا حول استقرار النظام الجديد داخليًا، خصوصًا مع وجود قاعدة داعمة لمادورو (~20%) ومقاومة شعبية محتملة.
  • 📌 المجتمع الدولي أصبح مضطرًا لمواكبة التحديات ليس في الفضاء الفيزيائي فقط، بل أيضًا في الفضاء الرقمي، مع احتمالية استهداف دول أخرى مستقبلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »